٨ أخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني وابن منده وابن مردويه بسند جيد عن الحارث بن ضرار الخزاعي قال: قدمت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فدعاني إلى الإسلام، فدخلت فيه وأقررت به، ودعاني إلى الزكاة فأقررت بها، قلت يا رسول اللّه: أرجع إلى قومي فأدعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة فمن استجاب لي جمعت زكاته وترسل إلي يا رسول اللّه رسولا يبان كذا وكذا ليأتيك ما جمعت من الزكاة، فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له وبلغ الإبان الذي أراد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يبعث إليه إحتبس الرسول فلم يأت فظن الحارث أنه قد حدث فيه سخطة من اللّه ورسوله فدعا بسروات قومه فقال لهم: إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان وقت لي وقتا يرسل إلي رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة، وليس من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الخلف، ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطه فانطلقوا فنأتي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وبعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة، فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فرق فرجع، فأتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: إن الحارث منعني الزكاة وأراد قتلي، فضرب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم البعث إلى الحارث فأقبل الحارث بأصحابه حتى إذا استقبل البعث وفصل عن المدينة لقيهم الحارث فقالوا: هذا الحارث فلما غشيهم قال لهم: إلى من بعثتم؟ قالوا: إليك، قال: ولم؟ قالوا: إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعث إليك الوليد بن عقبة فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله. قال: لا والذي بعث محمدا بالحق ما رأيته ولا أتاني، فما دخل الحارث على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: منعت الزكاة وأردت قتل رسولي؟ قال: لا والذي بعثك بالحق ما رأيته ولا رآني وما أقبلت إلا حين احتبس علي رسول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خشيت أن تكون كانت سخطة من اللّه ورسوله، فنزل {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} إلى قوله {حكيم}. وأخرج الطبراني وابن منده وابن مردويه عن علقمة بن ناجية قال: بعث إلينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الوليد بن عقبة بن أبي معيط يصدق أموالنا فسار حتى إذا كان قريبا منا وذلك بعد وقعة المريسيع رجع فركبت في أثره فأتى النبي صلى اللّه عليه وسلم، فقال: يا رسول اللّه أتيت قوما في جاهليتهم أخذوا اللباس ومنعوا الصدقة فلم يغير ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى أنزلت الآية {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ} فأتى المصطلقون إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم أثر الوليد بطائفة من صدقاتهم. وأخرج الطبراني في الأوسط عن جابر بن عبد اللّه قال: بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الوليد بن عقبة إلى بني وكيعة وكانت بينهم شحناء في الجاهلية، فلما بلغ بني وكيعة استقبلوه لينظروا ما في نفسه فخشي القوم فرجع إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: إن بني وكيعة أرادوا قتلي ومنعوني الصدقة، فلما بلغ بني وكيعة الذي قال الوليد أتوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقالوا: يا رسول اللّه لقد كذب الوليد. قال: وأنزل اللّه في الوليد {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق} الآية. وأخرج ابن راهويه وابن جرير والطبراني وابن مردويه عن أم سلمة رضي اللّه عنها قالت: بعث النبي صلى اللّه عليه وسلم الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق يصدق أموالهم فسمع بذلك القوم فتلقوه يعظمون أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله، فرجع إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقال: إن بني المصطلق منعوا صدقاتهم، فبلغ القوم رجوعه، فأتوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقالوا: نعوذ باللّه من سخط اللّه وسخط رسوله بعثت إلينا رجلا مصدقا فسررنا لذلك وقرت أعيننا ثم إنه رجع من بعض الطريق فخشينا أن يكون ذلك غضبا من اللّه ورسوله ونزلت {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ} الآية. وأخرج ابن جرير وابن مردويه والبيهقي في سننه وابن عساكر عن ابن عباس قال: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق ليأخذ منهم الصدقات وأنه لما أتاهم الخبر فرحوا وخرجوا ليتلقوا رسول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وأنه لما حدث الوليد أنهم خرجوا يتلقونه رجع فقال: يا رسول اللّه إن بني المصطلق قد منعوني الصدقة. فغضب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من ذلك غضبا شديدا، فبينما هو يحدث نفسه أن يغزوهم إذ أتاه الوفد فقالوا: يا رسول اللّه إنا حدثنا أن رسولك رجع من نصف الطريق، وأنا خشينا أن يكون إنما رده كتاب جاءه منك لغضب غضبته علينا فأنزل اللّه {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ} الآية. وأخرج آدم وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن مجاهد قال: أرسل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق ليصدقهم فتلقوه بالهدنة، فرجع إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: إن بني المصطلق جمعوا لك ليقاتلوك، فأنزل {إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا}. أخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد اللّه قال: بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: الوليد بن عقبة إلى بني وكيعة وكانت بينهم شحناء في الجاهلية فلما بلغ بني وكيعة استقبلوه لينظروا ما في نفسه فخشي القوم فرجع إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: إن بني وكيعة أرادوا قتلي ومنعوني الصدقة. فلما بلغ بني وكيعة الذي قال لهم الوليد عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أتوا رسول اللّه قالوا: يا رسول اللّه لقد كذب الوليد، ولكن كانت بينه وبيننا شحناء فخشينا أن يكافئنا بالذي كان بيننا فأنزل اللّه في الوليد {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} الآية. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن أن رجلا أتى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال: يا نبي اللّه إن بني فلان - حيا من أحياء العرب - وكان في نفسه عليهم شيء، وكانوا حديثي عهد بالإسلام قد تركوا الصلاة وارتدوا وكفروا باللّه. قال: فلم يعجل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ودعا خالد بن الوليد، فبعثه إليهم ثم قال: ارمقهم عند الصلاة فإن كان القوم قد تركوا الصلاة فشأنك بهم وإلا فلا تعجل عليهم. قال: فدنا منهم عند غروب الشمس، فكمن حيث يسمع الصلاة، فرمقهم فإذا هو بالمؤذن قد قام حين غربت الشمس فأذن ثم أقام الصلاة فصلوا المغرب، فقال خالد بن الوليد: ما أراهم إلا يصلون فلعلهم تركوا غير هذه الصلاة ثم كمن حتى إذا الليل وغاب الشفق أذن مؤذنهم فصلوا. قال: فلعلهم تركوا صلاة أخرى، فكمن حتى إذا كان في جوف الليل فتقدم حتى أظل الخيل بدورهم فإذا القوم تعلموا شيئا من القرآن فهم يتهجدون به من الليل ويقرأونه، ثم أتاهم عند الصبح فإذا المؤذن حين طلع الفجر قد أذن ثم أقام فقاموا فصلوا، فلما انصرفوا وأضاء لهم النهار إذا هم بنواصي الخيل في ديارهم فقالوا: ما هذا؟ قالوا: هنا خالد بن الوليد، وكان رجلا مشنعا، فقالوا يا خالد: ما شأنك؟ قال: أنتم واللّه شأني أتي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقيل له أنكم كفرتم باللّه وتركتم الصلاة، فجعلوا يبكون، فقالوا: نعوذ باللّه أن نكفر باللّه أبدا. قال: فصرف الخيل وردها عنهم حتى أتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وأنزل اللّه {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما} قال الحسن: فواللّه لئن كانت نزلت في هؤلاء القوم خاصة إنها المرسلة إلى يوم القيامة ما نسخها شيء. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعث الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق يصدقهم فلم يبلغهم، ورجع فقال لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: إنهم عصوا، فأراد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يجهز إليهم إذ جاء رجل من بني المصطلق، فقال لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: سمعنا أنك أرسلت إلينا ففرحنا به واستبشرنا به وإنه لم يبلغنا رسولك، وكذب. فأنزل اللّه فيه وسماه فاسقا {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ} الآية. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ} قال: هو ابن أبي معيط الوليد بن عقبة بعثه نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى بني المصطلق مصدقا، فلما أبصروه أقبلوا نحوه فهابهم، فرجع إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأخبره أنهم قد ارتدوا عن الإسلام فبعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خالد بن الوليد وأمره بأن تثبت ولا تعجل، فانطلق حتى أتاهم ليلا فبعث عيونه، فلما جاءهم أخبروه أنهم متمسكون بالإسلام وسمع أذانهم وصلاتهم فلما أصبحوا أتاهم خالد فرأى ما يعجبه فرجع إلى نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وأخبره الخبر، فأنزل اللّه في ذلك القرآن، فكان نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: "التأني من اللّه والعجلة من الشيطان". وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله {إن جاءكم فاسق بنبأ} الآية قال: إذا جاءك فحدثك أن فلانا إن فلانة يعملون كذا وكذا من مساوئ الأعمال فلا تصدقه. أما قوله تعالى: {واعلموا أن فيكم رسول اللّه لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم}. أخرج عبد بن حميد والترمذي وصححه وابن مردويه عن أبي نضرة قال: قرأ أبو سعيد الخدري {واعلموا أن فيكم رسول اللّه لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم} قال: هذا نبيكم يوحى إليه وخيار أمتكم لو أطاعهم في كثير من الأمر لعنتوا فكيف بكم اليوم؟ وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد قال: لما قبض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنكرنا أنفسنا وكيف لا ننكر أنفسنا واللّه يقول {واعلموا أن فيكم رسول اللّه لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم}. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة {واعلموا أن فيكم رسول اللّه لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم} قال: هؤلاء أصحاب نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم لو أطاعهم نبي اللّه في كثير من الأمر لعنتوا فأنتم واللّه أسخف قلبا وأطيش عقولا. فاتهم رجل رأيه، وانتصح كتاب اللّه فإن كتاب اللّه ثقة لمن أخذ به وانتهى إليه وإن ما سوى كتاب اللّه تغرير. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله {لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم} يقول: لأعنت بعضكم بعضا. أما قوله تعالى: {ولكن اللّه حبب إليكم الإيمان}. أخرج أحمد والبخاري في الأدب والنسائي والحاكم وصححه عن رفاعة بن رافع الزرقي قال: لما كان يوم أحد وانكفأ المشركون قال النبي صلى اللّه عليه وسلم: "استووا حتى أثني على ربي، فصاروا خلفه صفوفا فقال: اللّهم لك الحمد كله، اللّه لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لما أضللت، ولا مضل لما هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما بعدت، ولا مباعد لما قربت، اللّهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك، اللّهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، اللّهم إني أسألك النعيم يوم العيلة والأمن يوم الخوف، اللّهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا وشر ما منعتنا، اللّهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللّهم توفنا مسلمين وأحينا مسلمين وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين، اللّهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك، اللّهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب يا إله الحق". |
﴿ ٨ ﴾