|
٤٧ قوله تعالى: {وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ} في المشار إليهم أربعة أقوال. احدها: أنه نمرود الذي حاج إبراهيم في ربه، قال: لا أنتهي حتى أنظر إلى السماء، فأمر بفرخي نسر فربيا حتى سمنا واستعلجا، ثم أمر بتابوت فنحت، ثم جعل في وسطه خشبه، وجعل على رأس الخشبه لحما شديد الحمرة، ثم جوعهما وربط أرجلهما بأوتار إلى قوائم التابوت. ودخل هو وصاحب له في التابوت وأغلق بابه، ثم أرسلهما، فجعلا يريدان اللحم، فصعدا في السماء ما شاء اللّه، ثم قال لصاحبه: افتح وانظر ماذا ترى؟ ففتح، فقال: أرى الأرض كأنها الدخان، فقال له: أغلق، ثم صعد ما شاء اللّه، ثم قال: افتح فانظر، ففتح، فقال: ما أرى إلا السماء، وما نزداد منه إلا بعدا، قال: فصوب خشبتك، فصوبها، فا نقضت النسور تريد اللحم، فسمعت الجبال هدتها، فكادت تزول عن مراتبها. هذا قول علي ابن أبي طالب. وفي رواية عنه: كانت النسور أربعة. وروى السدي عن أشياخه: أنه مازال يصعد إلى أن رأى الأرض يحيط بها بحر، فكأنها فلكة في ماء، ثم صعد حتى وقع في ظلمة، فلم ير ما فوقه ولم ير ما تحته، ففزع، فصوب اللحم، فانقضت النسور، فلما نزل أخذ في بناء الصرح. ثم صعد منه مع النسور، فلما لم يقدر على السماء، اتخذه حصنا، فأتى اللّه بنيانه من القواعد، وقال عكرمة: كان معه في التابوت غلام قد حمل القوس والنشاب، فرم بسهم فعاد إليه ملطخا بالدم، فقال: كفيت إله السماء، وذلك من دم سمكة في بحر معلق في الهواء، فلما هاله الأرتفاع، قال لصاحبه: صوب الخشبة، فصوبها، فانحطت النسور، فظنت الجبال أنه أمر نزل من السماء فزالت عن مواضعها. وقال غيره: لما رأت الجبال ذلك، ظنت أنه قيام الساعة، فكادت تزول، وإلى هذا المعنى ذهب سعيد بن جبير، وأبو مالك. والقول الثاني: أنه بختنصر، وأن هذه القصة له جرت، وأن النسور لما ارتفعت تطلب اللحم إلى حيث شاء اللّه، نودي: ياأيها الطاغية، أين تريد؟ ففرق، ثم سمع الصوت فوقه، فنزل، فلما رأت الجبال ذلك، ظنت أنه قيام الساعة فكادت تزول، وهذا قول مجاهد. والثالث: أن المشار إليهم الأمم المتقدمة.قال ابن عباس، وعكرمة: مكرهم: شركهم. والرابع: أنهم الذين مكروا برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين هموا بقتله وإخراجه. وفي قوله: {وَعِندَ ٱللّه مَكْرُهُمْ} قولان. احدهما: أنه محفوظ عنده حتى يجازيهم به، قاله الحسن، وقتادة. والثاني: وعند اللّه جزاء مكركم. قوله تعالى: {وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ} وقرأ ابو بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي، وابن عباس، وعكرمة، وأبو العالية: «وإن كان مكرهم» بالدال. {لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ}. وقرأ الأكثرون «لتزول» بكسر اللام الأولى من «لتزول» وفتح الثانية. أراد: وما كان مكرهم لتزول من الجبال، أي: هو أضعف وأوهن، كذلك فسرها الحسن البصري. وقرأ الكسائي «لتزول» بفتح اللام الأولى وضم الثانية، أراد: قد كادت الجبال تزول من مكرهم، كذلك فسرها ابن الأنباري. وفي المراد بالجبال قولان. احدهما: أنها الجبال المعروفة، قاله الجمهور. والثاني: أنها ضربت مثلا لأمر النبي صلى اللّه عليه وسلم، وثبوت دينه كثبوت الجبال الراسية والمعنى: لو بلغ كيدهم إلى إزالة الجبال، لما زال أمر الأسلام، قاله الزجاج. قال أبو علي: ويدل على صحة هذا قوله: {فَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللّه مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ} أي: فقد وعدك الظهور عليهم. قال ابن عباس: يريد بوعده: النصر والفتح والنصر وإظهار الدين. {أَنَّ ٱللّه عَزِيزٌ} أي: منيع {ذُو ٱنتِقَامٍ} من الكافرين، وهو أن يجازيهم بالعقوبة على كفرهم. |
﴿ ٤٧ ﴾