١٤٣

{مذبذبين بين ذالك لا إلى هاؤلاء ولا إلى هاؤلاء ومن يضلل اللّه فلن تجد له سبيلا}

وفيه مسائل:

المسألة الأولى: مذبذبين.

أما حال من قوله {*يراؤن} أو من قوله {لا يذكرون * اللّه إلا قليلا} (النساء: ١٤٢) ويحتمل أن يكون منصوبا على الذم.

المسألة الثانية: مذبذبين: أي متحيرين، وحقيقة المذبدب الذي يذب عن كلا الجانبين، أي يرد ويدفع فلا يقر في جانب واحد، إلا أن الذبذبة فيها تكرير وليس في الذب، فكان المعنى كلما مال إلى جانب ذب عنه.

وأعلم أن السبب في ذلك أن الفعل يتوقف على الداعي، فإن كان الداعي إلى الفعل هو الأغراض المتعلقة بأحوال هذا العالم كثر التذبذب والاضطراب، لأن منافع هذا العالم وأسبابه متغيرة سريعة التبدل، وإذا كان الفعل تبعا للداعي، والداعي تبعا للمقصود ثم إن المقصود سريع التبدل والتغير لزم وقوع التغير في

الميل والرغبة، وربما تعارضت الدواعي والصوارف فيبقى الإنسان في الحيرة والتردد.

أما من كان مطلوبه في فعله إنشاء الخيرات الباقية، واكتساب السعادات الروحانية، وعلم أن تلك المطالب أمور باقية بريئة عن التغير والتبدل لا جرم كان هذا الإنسان ثابتا راسخا فلهذا المعنى وصف اللّه تعالى أهل الإيمان بالثبات فقال {يثبت اللّه الذين ءامنوا} (إبراهيم: ٢٧) وقال {ألا بذكر اللّه تطمئن القلوب} (الرعد: ٢٨) وقال: {أحد يأيتها النفس المطمئنة} (الفجر: ٢٦).

المسألة الثالثة: قرأ ابن عباس {مذبذبين} بكسر الذال الثانية، والمعنى يذبذبون قلوبهم أو دينهم أو رأيهم، بمعنى يتذبذبون كما جاء صلصل وتصلصل بمعنى، وفي مصحف عبد اللّه بن مسعود: متذبذبين، وعن أبي جعفر: مذبذبين بالدال المهملة، وكأن المعنى أنهم تارة يكونون في دبة وتارة في أخرى، فلا يبقون على دبة واحدة والدبة الطريقة وهي التي تدب فيها الدواب.

المسألة الرابعة: قوله {بين ذالك} أي بين الكفر والإيمان، أو بين الكافرين والمؤمنين، وكلمة {ذالك} يشار به إلى الجماعة، وقد تقدم تقريره في تفسير قوله {عوان بين ذالك} (البقرة: ٦٨) وذكر الكافرين والمؤمنين قد جرى في هذه القصة عند قوله {الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين} (النساء: ١٣٩) وإذا جرى ذكر الفريقين فقد جرى ذكر الكفر والإيمان قال قتادة: معنى الآية ليسوا مؤمنين مخلصين ولا مشركين مصرحين بالشرك.

المسألة الخامسة: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الحيرة في الدين إنما تحصل بإيجاد اللّه تعالى وقالوا: إن قوله {مذبذبين} يقتضي فاعلا قد ذبذبهم وصيرهم متحيرين مترددين، وذلك ليس باختيار العبد، فإن الإنسان إذا وقع في قلبه الدواعي المتعارضة الموجبة للتردد والحيرة، فلو أراد أن يدفع ذلك التردد عن نفسه لم يقدر عليه أصلا، ومن رجع إلى نفسه وتأمل في أحواله علم أن الأمر كما ذكرنا، وإذا كانت تلك الذبذبة لا بد لها منفاعل، وثبت أن فاعلها ليس هو العبد ثبت أن فاعلها هو اللّه تعالى، فثبت أن الكل من اللّه تعالى.

فإن قيل: قوله تعالى: {لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء} يقتضي ذمهم على ترك طريقة المؤمنين وطريقة الكافرين، وذلك يقتضي أنه تعالى ما ذمهم على طريقة الكفار وإنه غير جائز.

قلنا: ءن طريقة الكفار وإن كانت خبيثة إلا أن طريقة النفاق أخبث منها، ولذلك فإنه تعالى ذم الكفار في أول سورة البقرة في آيتين

وذم المنافقين في بضع عشرة آية، وما ذاك إلا أن طريقة النفاق أخبث من طريقة الكفار، فهو تعالى إنما ذمهم لا لأنهم تركوا الكفر، بل لأنهم عدلوا عنه إلى ما هو أخبث منه.

ثم قال تعالى: {ومن يضلل اللّه فلن تجد له سبيلا} واحتج أصحابنا بهذه الآية على قولهم من وجهين:

الأول: أن ذكر هذا الكلام عقيب قوله {مذبذبين} يدل على أن تلك الذبذبة من اللّه تعلى، وإلا لم يتصل هذا الكلام بما قبله.

والثاني: أنه تصريح بأن اللّه تعالى تعالى أضله عن الدين.

قالت المعتزلة: معنى هذا الإضلال سلب الألطاف، أو هو عبارة عن حكم اللّه عليه بالضلال، أو هو عبارة عن أن اللّه تعالى يضله يوم القيامة عن طريق الجنة، وهذه الوجوه قد تكلمنا عليها مرارا.

﴿ ١٤٣