٨٣

{ واذ اخذنا ميثاق بنى اسرائيل } فى التوراة والميثاق العهد الشديد وهو على وجهين عهد خلقة وفطرة وعهد نبوة ورسالة واذ نصب باضمار فعل خوطب به النبى عليه السلام والمؤمنون ليؤديهم التأمل فى احوالهم الى قطع الطمع عن ايمان اخلافهم لان قبائح اسلافهم مما تؤدى الى عدم ايمانهم ولا يلد الحية الا الحية ومن ههنا قيل اذا طاب اصل المرء طابت فروعه او اليهود الموجودون فى عصر النبوة توبيخا لهم بسوء صنيع اسلافهم اى اذكروا اذ اخذنا ميثاقهم بان

{ لا تعبدون الا اللّه } اى ان لا تعبدوا فلما اسقط ان رفع تعبدون لزوال الناصب او على ان يكون اخبارا فى معنى النهى كما تقول تذهب الى فلان تقول له كذا تريد به الامر اى اذهب وهو ابلغ من صريح الامر والنهى لما فيه من ايهام ان المنهى حقه ان يسارع الى الانتهاء عما نهى عنه فكأنه انتهى عنه فيخبر به الناهى اى لا توحدوا الا اللّه ولا تجعلوا الالوهية الا للّه

وقيل انه جواب قسم دل عليه المعنى كأنه قيل واحلفناهم وقلنا باللّه لا تعبدون الا اللّه

{ وبالوالدين احسانا } اى وتحسنون احسانا على لفظ تعبدون لانه اخبار او واحسنوا على معناه لانه انشاء اى برا كثيرا وعطفا عليهما ونزولا عند امرهما فيما لا يخالف امر اللّه

{ وذى القربى } اى وتحسنون الى ذى القرابة ايضا مصدر كالحسنى

{ واليتامى } جمع يتيم وهو الصغير الذى مات ابوه قبل البلوغ ومن الحيوانات الصغير الذى ماتت امه والاحسان بهم بحسن التربية وحفظ حقوقهم عن الضياع

{ والمساكين } بحسن القول وايصال الصدقة اليهم جمع مسكين من السكون كأن الفقر اسكنه عن الحراك اى الحركة واثقله عن التقلب

{ و } قلنا

{ قولوا للناس } قولا

{ حسنا } سماه حسنا مبالغة لفرط حسنه امر بالاحسان بالمال فى حق اقوام مخصوصين وهم الوالدان والاقرباء واليتامى والمساكين ولما كان المال لا يسع الكل امر بمعاملة الناس كلهم بالقول الجميل الذى لا يعجز عنه العاقل يعنى وألينوا لهم القول بحسن المعاشرة وحسن الخلق وائمروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر اى وقولوا للناس صدقا وحقا فى شأن محمد عليه السلام فمن سألكم عنه فاصدقوه وبينوا صفته ولا تكتموا امره

{ واقيموا الصلوة وآتوا الزكوة } كما فرضا عليهم فى شريعتهم ذكرهما تنصيصا مع دخولهما فى العبادة المذكورة تعميما وتخصيصا تلخيصه اخذنا عهدكم يا بنى اسرائيل بجميع المذكور فقبلتم واقبلتم عليه

{ ثم توليتم } على طريقة الالتفات اي اعرضتم عن المضى على مقتضى الميثاق ورفضتموه

{ الا قليلا منكم } وهم من الاسلاف من اقام اليهودية على وجهها ومن الاخلاف من اسلم كعبداللّه بن سلام واضرابه

{ وانتم معرضون } جملة تذييلية اى وانتم قوم عادتكم الاعراض عن الطاعة ومراعاة حققو الميثاق وليس الواو للحال لاتحاد التولى والاعراض فالجملة اعتراض للتأكيد فى التوبيخ واصل الاعراض الذهاب عن المواجهة والاقبال الى جانب العرض

واعلم ان فى الآية عدة اشياء منها العبادة فمن شرط العبودية تفرد العبد لعبادة المعبود وتجرده عن كل مقصود فمن لا حظ خلقا او استحلى ثناء او استجلب بطاعته الى نفسه حظا من حظوظ الدنيا والآخرة او داخله بوجه من الوجوه مزج او شوب فهو ساقط عن مرتبة الاخلاص برؤية نفسه

حجاب راه توبي حافظ از ميان برخيز ... خوشا كسى كه ازين راه بى حجاب رود

ومنها الاحسان الى الوالدين وقد عظم اللّه حق الوالدين حيث قرن حقه بحقهما فى آيات من القرآن لان النشأة الاولى من عند اللّه والنشأة الثانية وهى التربية من جهة الوالدين ويقال ثلاث آيات انزلت مقرونة بثلاث آيات ولا تقبل احديها بغير قرينتها احديها قوله تعالى

{ اطيعوا اللّه واطيعوا الرسول } والثانية

{ ان اشكر لى ولوالديك } والثالثة

{ اقيموا الصلوة وآتوا الزكوة } والاحسان الى الوالدين معاشرتهما بالمعروف والتواضع لهما والامتثال الى امرهما وصلة اهل ودّهما والدعاء بالمغفرة بعد مماتهما : قال السعدى

سالها برتو بكذردكه كذر ... نكنى سوى تربت بدرت

توبجاى بدرجه كردى خير ... تاهمان جشم دارى ازبسرت

وفى التأويلات النجمية ان فى قوله

{ وبالوالدين احسانا } اشارة الى ان اعز الخلق على الولد والداه لاجل انهما سببا وجوده فى الظاهر ولكن ينبغى ان يحسن اليهما بعد خروجه من عهدة عبودية ربه اذ هو موجد وجوده ووجود والديه فى الحقيقة ولا يختار على اداء عبوديته احسان والديه فكيف الالتفات لغيرهما

ومنها البر الى اليتامى

برحمت بكن آبش از ديده باك ... بشفقت بيفشانش ازجهره خاك

وفى الحديث ( ما قعد يتيم مع قوم على قصعتهم فلا يقرب قصعتهم الشيطان ) وفى الحديث ايضا ( من ضم يتيما من بين مسلمين الى طعامه وشرابه حتى يغنيه اللّه عز وجل غفرت له ذنوبه البتة الا ان يعمل عملا لا يغفر ومن اذهب اللّه كريمتيه فصبر واحتسب غفرت له ذنوبه ) قالوا وما كريمتاه قال ( عيناه ومن كان له ثلاث بنات او ثلاث اخوات فانفق عليهن واحسن اليهن حتى يكبرون او يمتن غفرت له ذنوبه البتة الا ان يعمل عملا لا يغفر ) فناداه رجل من الاعراب ممن هاجر فقال يا رسول اللّه او اثنتان فقال صلى اللّه عليه وسلم ( او اثنتان ) وقال صلى اللّه عليه وسلم ( كافل اليتيم انا وهو كهاتين فى الجنة ) واشار بالسبابة والوسطى والسبابة من الاصابع هى التى تلى الابهام وكانت فى الجاهلية تدعى بالسبابة لانهم كانوا يسبون بها فلما جاء اللّه بالاسلام كرهوا هذا الاسم فسموها بالمشيرة لانهم كانوا يشيرون بها الى اللّه بالتوحيد والمشيرة من اصابع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كانت اطول من الوسطى ثم الوسطى اقصر منها ثم البنصر اقصر من الوسطى فقوله عليه السلام

( انا وهو كهاتين فى الجنة ) وقوله فى الحديث الآخر ( احشر انا وابو بكر وعمر يوم القيامة هكذا ) واشار باصابعه الثلاث فانما اراد ذكر المنازل والاشراف على الخلق فقال نحشر هكذا ونحن مشرفون وكذلك كافل اليتيم يكون له منزلة رفيعة فمن لم يعرف شأن اصابع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حمل تأويل الحديث على الانضمام واقتراب بعضهم من بعض فى محل القربة وهذا معنى بعيد لان منازل الرسل والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين مراتب متباينة ومنازل مختلفة كذا فى تفسير القرطبى

ومنها البر الى المساكين وهم الذين اسكنتهم الحاجة وذللتهم وهذا يتضمن الحض على الصدقة والمواساة وتفقد احوال المساكين والضعفاء وفى الحديث ( الساعى على الارملة والمسكين كالمجاهد فى سبيل اللّه ) وكان طاووس يرى السعى على الخوات افضل من الجهاد فى سبيل اللّه

نخواهى كه باشى براكنده دل ... براكندكانرا ز خاطر مهل

بريشان كن امروز كنجينه جست ... كه فردا كليدش نه دردست تس

ومنها القول الحسن ولما خرج الطالب من عهدة حق العبودية وعمت رحمته وشفقته الوالدين وغيرهما لزم له ان يقول للناس حسنا يأمرهم بالمعروف ويناههم عن المنكر ويدعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة الى اللّه ويهديهم الى طريق الحق ويخالقهم بحسن الخلق وان يكون قوله لينا ووجهه منبسطا طلقا مع البر والفاجر والسنى والمبتدع من غير مداهنة ومن غير ان يتكلم معه بكلام يظن انه يرضى مذهب لان اللّه تعالى قال لموسى وهارون عليهما السلام

{ فقولا له قولا لينا } فليس بافضل من موسى وهارون والفاجر ليس باخس من فرعون وقد امرهما اللّه باللين معه فدخل فى هذه الآية اليهود والنصارى فكيف بالحنيفى : قال الحافظ

آسايش دوكيتى تفسير اين دو حرفست ... بادوستان تلطف با دشمنان مدارا

وقال السعدى

درشتى نكيرد خردمند بيش ... نه سستى كه ناقص كند قدر خويش

﴿ ٨٣