٩١

القول في تأويل قوله تعالى: {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ ...}.

وهؤلاء فريق آخر من المنافقين كانوا يظهرون الإسلام لرسول اللهصلى اللّه عليه وسلم وأصحابه ليأمنوا به عندهم من القتل والسباء وأخذ الأموال وهم كفار، يعلم ذلك منهم قومهم، إذا لقوهم كانوا معهم وعبدوا ما يبعدونه من دون اللّه ليأمنوهم على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وذراريهم، يقول اللّه : {كُلّما رُدّوا إلى الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا} يعني: كلما دعاهم إلى الشرك باللّه ارتدوا فصاروا مشركين مثلهم.

واختلف أهل التأويل في الذين عنوا بهذه الاَية،

فقال بعضهم: هم ناس كانوا من أهل مكة أسلموا على ما وصفهم اللّه به من التقية وهم كفار، ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم وذراريهم ونسائهم، يقول اللّه : {كُلّما رُدّوا إلى الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا} يعني: كلما دعاهم إلى الشرك باللّه ارتدوا، فصاروا مشركين مثلهم ليأمنوا عند هؤلاء وهؤلاء. ذكر من قال ذلك:

٨٠٦٢ـ حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {يُرِيدونَ أنْ يأْمَنُوكُمْ ويَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ} قال ناس كانوا يأتون النبيّ صلى اللّه عليه وسلم، فيسلمون رياء، ثم يرجوعن إلى قريش فيرتكسون في الأوثان، يبتغون بذلك أن يأمنوا ههنا وههنا، فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا.

حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

٨٠٦٣ـ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكُمْ ويَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلّما رُدّوا إلى الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها}

يقول: كلما أرادوا أن يخرجوا من فتنة أركسوا فيها. وذلك أن الرجل كان يوحد قد تكلم بالإسلام، فيقرّب إلى العود والجحر وإلى العقرب والخنفساء، فيقول المشركون لذلك المتكلم بالإسلام: قل هذا ربي، للخنفساء والعقرب.

وقال آخرون: بل هم قوم من أهل الشرك كانوا طلبوا الأمان من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليأمنوا عنده وعند أصحابه وعند المشركين. ذكر من قال ذلك:

٨٠٦٤ـ حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {سَتَجِدُونَ آخَرينَ يُريدُونَ أنْ يَأْمَنُوكُمْ ويَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ} قال: حيّ كانوا بتهامة،

قالوا: يا نبيّ اللّه لا نقاتلك ولا نقاتل قومنا، وأرداوا أن يأمنوا نبيّ اللّه ويأمنوا قومهم. فأبي اللّه ذلك عليهم،

فقال: {كُلّما رُدّوا إلى الفِتْنَة أُرْكِسُوا فِيها}

يقول: كلما عرض لهم بلاء هلكوا فيه.

وقال آخرون: نزلت هذه الاَية في نعيم بن مسعود الأشجعي. ذكر من قال ذلك:

٨٠٦٥ـ حدثنا محمد بن الحسين، قال: حدثنا أحمد بن مفضل، قال: حدثنا أسباط، عن السديّ، قال: ثم ذكر نعيم بن مسعود الأشجعي، وكان يأمن في المسلمين والمشركين، ينقل الحديث بين النبيّ صلى اللّه عليه وسلم. فقال: {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُريدُونَ أنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلّما رُدّوا إلى الفِتْنَة}

يقول: إلى الشرك.

وأما تأويل قوله: {كُلّما رُدّوا إلى الفِتْنَة أُرْكِسُوا فِيهَا} فإنهم كما:

٨٠٦٦ـ حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: {كُلّما رُدّوا إلى الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا} قال: كلما ابتلوا بها عموا فيها.

٨٠٦٧ـ حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: كلما عرض لهم بلاء هلكوا فيه.

والقول في ذلك ما قد بينت قبل، وذلك أن الفتنة في كلام العرب: الاختبار، والإركاس: الرجوع.

فتأويل الكلام: كلما ردوا إلى الاختبار ليرجعوا إلى الكفر والشرك رجعوا إليه.

القول في تأويل قوله تعالى: {فإنْ لَمْ يَعْتَزلُوكُمْ وَيُلْقُوا إلَيْكُمْ السّلَمَ ...}.

يعني بذلك جلّ ثناؤه: فإن لم يعتزلوكم أيها المؤمنون هؤلاء الذين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم، وهي كلما دعوا إلى الشرك أجابوا إليه، ويلقوا إليكم السلم، ولم يستسلموا إليكم فيعطوكم المقاد ويصالحوكم. كما:

٨٠٦٨ـ حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: {فإنْ لَمْ يَعْتَزلُوكُمْ وَيُلْقُوا إلَيْكُمُ السّلَمَ} قال: الصلح.

{وَيَكُفّوا أيْدِيَهُمْ}

يقول: ويكفوا أيديهم عن قتالكم، {فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ}

يقول جلّ ثناؤه: فإن لم يفعلوا فخذوهم أين أصبتموهم من الأرض ولقيتموهم فيها فاقتلوهم، فإن دماءهم لكم حينئذٍ حلال. {وأُولَئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطانا مُبِينا}

يقول جلّ ثناؤه: وهؤلاء الذين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم وهم على ما هم عليه من الكفر، إن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم، جعلنا لكم حجة في قتلهم أينما لقيتموهم، بمقامهم على كفرهم وتركهم هجرة دار الشرك. {مُبِينا} يعني أنها تبين عن استحقاقهم ذلك منكم وإصابتكم الحقّ في قتلهم، وذلك قوله: {سُلْطانا مُبِينا}. والسلطان: هو الحجة. كما:

٨٠٦٩ـ حدثني المثنى، قال: حدثنا قبيصة، قال: حدثنا سفيان، عن رجل، عن عكرمة، قال: ما كان في القرآن من سلطان فهو حجة.

٨٠٧٠ـ حدثنا محمد بن الحسين، قال: حدثنا أحمد بن مفضل، قال: حدثنا أسباط، عن السديّ: قوله: {سُلْطانا مُبِينا} أما السلطان المبين: فهو الحجة.

﴿ ٩١