٣٧{وَمَا يُلَقَّاهَا } : الضمير عائد على الفعلة والسجية التي هي الدفع بالأحسن . وقرأ طلحة بن مصرف ، وابن كثير في رواية : وما يلاقاها : من الملاقاة . وقرأ الجمهور : من التلقي ، وكأن هذه الخصلة الشريفة غائبة ، فما يصادفها ويلقيها اللّه إلا لمن كان صابراً على الطاعات ، صارفاً عن الشهوات ، ذا حظ عظيم من خصال الخير ، قاله ابن عباس ، فيكون مدحاً ؛ أو { ذُو حَظّ عَظِيمٍ } من ثواب الآخرة ، قاله قتادة ، فيكون وعداً . وقيل : إلا ذو عقل . وقيل : ذو خلق حسن ، وكرر { وَمَا يُلَقَّاهَا } تأكيداً لهذه الفعلة الجميلة الجليلة . وقيل : الضمير في يلقاها عائد على الجنة . وحكى مكي :{ وَمَا يُلَقَّاهَا } : أي شهادة أن لا إله إلا اللّه ، وفيه بعد . ولما أمر تعالى بدفع السيئة بالأحسن ، كان قد يعرض للمسلم في بعض الأوقات مقابلة من أساء بالسيئة ، فأمره ، إن عرض له ذلك ، أن يستعيذ باللّه ، فإن ذلك من نزغ الشيطان ، وتقدم تفسير نظير هذه الآية في أواخر الأعراف . ولما بين تعالى أن أحسن الأعمال والأقوال هو نظير هذه الآية الدعوة إلى اللّه ، أردفه بذكر الدلائل العلوية والسفلية ، وعلى قدرته الباهرة وحكمته البالغة وحجته القاطعة ، فبدأ بذكر الفلكيات بالليل والنهار ، وقدم ذكر الليل ، قيل تنبيهاً على أن الظلمة عدم والنور وجود ، وناسب ذكر الشمس بعد النهار ، لأنها سبب لتنويره ويظهر العالم فيه ، ولأنها أبلغ في التنوير من القمر ، ولأن القمر فيما يقولون مستفاد نوره من نور الشمس . ثم نهى تعالى عن السجود لهما ، وأمر بالسجود للخالق تعالى . وكان ناس يعبدون الشمس ، كما جاء في قصة بلقيس وقومها . والضمير في { خَلَقَهُنَّ } عائد على الليل والنهار والشمس والقمر . قال الزمخشري : لأن حكم جماعة ما لا يعقل حكم الأنثى ، أي الإناث ، يقال : الأقلام بريتها وبريتهن . انتهى ، يريد ما لا يعقل من الذكر ، وكان ينبغي أن يفرق بين جمع القلة من ذلك ، فإن الأفصح أن يكون كضمير الواحدة ، تقول : الأجذاع انكسرت على الأفصح ، والجذوع انكسرن على الأفصح . والذي تقدّم في الآية ليس بجمع قلة ، أعني بلفظ واحد ، ولكنه ذكر أربعة متعاطفة ، فتنزلت منزلة الجمع المعبر عنها بلفظ واحد . وقال الزمخشري : ولما قال :{ وَمِنْ ءايَاتِهِ } ، كن في معنى الآيات ، فقيل :{ خَلَقَهُنَّ} انتهى ، يعني أن التقدير والليل والنهار والشمس والقمر آيات من آياته ، فعاد الضمير على آيات الجمع المقدر في المجرور . وقيل : يعود على الآيات المتقدم ذكرها . وقيل : على الشمس والقمر ، والاثنان جمع ، وجمع ما لا يعقل يؤنث ، ومن حيث يقال شموس وأقمار لاختلافهما بالأيام والليالي ، ساغ أن يعود الضمير مجموعاً .{ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } : أي إن كنتم موحدين غير مشركين ، والسجدة عند الشافعي عند قوله :{ تَعْبُدُونَ } ، وهي رواية مسروق عن عبد اللّه لذكر لفظ السجدة قبلها ، وعند أبي حنيفة عند قوله :{ لاَ يَسْئَمُونَ } ، لأنها تمام المعنى ، وفي التحرير : كان على وابن مسعود يسجدان عند { تَعْبُدُونَ} وقال ابن وهب والشافعي : عند { يَسْئَمُونَ } ، وبه قال أبو حنيفة ، وسجد عندها ابن عباس وابن عمر وأبو وائل وبكر بن عبد اللّه ، وكذلك روي عن مسروق والسلمي والنخعي وأبي صالح وابن سيرين . انتهى ملخصاً . |
﴿ ٣٧ ﴾