١٥٦

١٥٧

قوله تعالى : وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ يعني قال موسى في دعائه واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة أي واجعلنا ممن كتبت له حسنة وهي ثواب الأعمال الصالحة وفي الآخرة أي واكتب لنا في الآخرة مغفرة لذنوبنا إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قال ابن عباس معناه إنّا تبنا إليك ، وهذا قول جميع المفسرين وأصل الهود الرجوع برفق قال بعضهم وبه سميت اليهود وكان اسم مدح قبل نسخ شريعتهم فلما نسخت شريعتهم صار اسم ذم وهو لازم لهم قالَ يعني قال اللّه عز وجل لموسى عليه الصلاة والسلام عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ يعني من خلقي وليس لأحد علي اعتراض لأن الكل ملكي وعبيدي ومن تصرف في خالص حقه فليس لأحد عليه اعتراض وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ يعني أن رحمته سبحانه وتعالى عمّت خلقه كلهم ،

وقال بعضهم : هذا من العام أريد به الخاص فرحمه اللّه عمت البر والفاجر في الدنيا وهي للمؤمنين خاصة في الآخرة

وقيل هي للمؤمنين خاصة في الدنيا والآخرة ولكن الكافر يرزق ويدفع عنه ببركة المؤمن لسعة رحمة اللّه له فإذا كان يوم القيامة وجبت للمؤمنين خاصة قال جماعة من المفسرين لما نزلت ورحمتي وسعت كل شيء تطاول إبليس إليها وقال أنا من ذلك الشيء فنزعها اللّه تعالى من إبليس

فقال تعالى : فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ أيس إبليس منها ، وقالت اليهود نحن نتقي ونؤتي الزكاة ونؤمن بآيات ربنا فنزعها اللّه وأثبتها لهذه الأمة

فقال تعالى : الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الآية وقال نوف البكالي لما اختار موسى من قومه سبعين رجلا قال اللّه تعالى لموسى اجعل لك الأرض مسجدا وطهورا تصلون حيث أدركتكم الصلاة لا عند مرحاض أو حمام أو قبر وأجعل السكينة في قلوبكم وأجعلكم تقرؤون التوراة عن ظهر قلوبكم يقرؤها

الرجل والمرأة والحر والعبد والصغير والكبير فقال موسى ذلك لقومه فقالوا لا نريد أن نصلي إلا في الكنائس ولا نستطيع حمل السكينة في قلوبنا ولا نستطيع أن نقرأ التوراة على ظهر قلوبنا ولا نريد أن نقرأها إلا نظرا قال اللّه تعالى فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ- إلى قوله- الْمُفْلِحُونَ فجعلها اللّه تعالى لهذه الأمة ، فقال موسى : رب اجعلني نبيهم ، قال : نبيهم منهم ، قال : اجعلني منهم قال إنك لن تدركهم قال موسى : يا رب أتيتك بوفد بني إسرائيل فجعلت وفادتنا لغيرنا فأنزل اللّه تعالى وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ فرضي موسى ، أما التفسير فقوله الذين يتقون يعني الشرك وسائر ما نهوا عنه لأن جميع التكاليف محصورة في نوعين :

الأول : التروك وهي الأشياء التي يجب على الإنسان تركها والاحتراز عنها ولا يقربها وإليه الإشارة بقوله تعالى : لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ

والثاني الأفعال المأمور بها وتلك الأعمال بدنية وقلبية أما البدنية فإنها الإشارة بقوله ويؤتون الزكاة وهذه الآية وإن كانت في حق المال لكن يختص البدن بإخراجها والأعمال القلبية كالإيمان

والمعرفة وإليها الإشارة بقوله تعالى : وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ.

قوله عز وجل : الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ ذكر الإمام فخر الدين الرازي في معنى هذه التبعية وجهين :

أحدهما : إن المراد بذلك أن يتبعوه باعتقاد نبوته من حيث وجدوا صفته في التوراة إذ لا يجوز أن يتبعوه في شرائعه قبل أن يبعث إلى الخلق وفي قوله والإنجيل أن المراد وسيجدونه مكتوبا في الإنجيل لأن من المحال أن يجده فيه قبل ما أنزل اللّه الإنجيل.

الوجه الثاني : إن المراد من لحق من بني إسرائيل زمان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فبين تعالى أن هؤلاء اللاحقين لا يكتب لهم رحمة الآخرة إلا إذا اتبعوه ، قال : وهذا القول أقرب لأن اتباعه قبل أن يبعث لا يمكن فبين بهذه الآية أن هذه الرحمة لا يفوز بها من بني إسرائيل إلا من اتقى وآتى الزكاة وآمن بآيات اللّه في زمن موسى عليه الصلاة والسلام ، ومن كانت هذه صفته في أيام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في شرائعه فعلى هذين الوجهين يكون المراد بقوله الذين يتبعون الرسول من بني إسرائيل خاصة. وجمهور المفسرين على خلاف ذلك فإنهم قالوا : المراد بهم جميع أمته الذين آمنوا به واتبعوه سواء كانوا من بني إسرائيل أو غيرهم وأجمع المفسرون على أن المراد بالرسول محمد صلى اللّه عليه وسلم وصفه بكونه رسولا لأنه الواسطة بين اللّه وبين خلقه المبلغ رسالته وأوامره ونواهيه وشرائعه إليهم ثم وصفه بكونه نبيا.

وهذا أيضا من أعلى المراتب وأشرفها وذلك يدل على أنه رفيع الدرجات عند اللّه المخبر عنه ثم وصفه بالأمي. قال ابن عباس : هو نبيكم صلى اللّه عليه وسلم كان أميا لا يكتب ولا يقرأ ولا يحسب قال الزجاج في معنى الأمي : هو الذي على صفة أمة العرب لأن العرب أكثرهم لا يكتب ولا يقرأ ولا يحسب فالنبي صلى اللّه عليه وسلم كان كذلك فلهذا وصفه اللّه تعالى بكونه أميا وصح في الحديث أنه صلى اللّه عليه وسلم قال (نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب) قال أهل التحقيق : وكونه صلى اللّه عليه وسلم كان أميا من أكبر معجزاته وأعظمها ، وبيانه أنه صلى اللّه عليه وسلم أتى بهذا الكتاب العظيم الذي أعجزت الخلائق فصاحته وبلاغته وكان يقرؤه عليهم بالليل والنهار من غير زيادة فيه ولا نقصان منه ولا تغيير فدل ذلك على معجزته وهو

قوله تعالى : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى

وقيل : إنه لو كان يحسن الكتابة ثم إنه أتى بهذا القرآن العظيم لكان متهما فيه لاحتمال أنه كتبه ونقله عن غيره فلما كان أميا وأتى بهذا القرآن العظيم الذي فيه علم الأولين والآخرين والمغيبات دل ذلك على كونه معجزة له صلى اللّه عليه وسلم.

وأيضا فإن الكتابة تعين الإنسان على الاشتغال بالعلوم وتحصيلها ثم إنه أتى بهذه الشريعة الشريفة والآداب الحسنة مع علوم كثيرة وحقائق دقيقة من غير مطالعة كتب ولا اشتغال على أحد فدل ذلك على كونه معجزة له صلى اللّه عليه وسلم

وقيل في معنى الأمي : الذي هو منسوب إلى أمه كأنه لم يخرج بعد عما ولدته عليه

وقيل سمي أميا لأنه منسوب إلى أم القرى وهي مكة

وقوله تعالى : الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يعني يجيدون صفته ونعته ونبوته مكتوبا عندهم يعرفها علماؤهم وأحبارهم ولكنهم كتموا ذلك وبدلوه وغيروه حسدا منهم له وخوفا على زوال رئاستهم وقد حصل لهم ما كانوا يخافونه فقد زالت رئاستهم ووقعوا في الذل والهوان

(خ) عن عطاء بن يسار قال : لقيت عبد اللّه بن عمرو بن العاص ف

قلت : أخبرني عن صفة رسول اللّه في التوراة فقال : أجل إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظّ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر ولن يقبضه اللّه حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا اللّه ويفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا.

( (شرح غريب ألفاظ الحديث)) الفظ : السيئ الخلق ، والغليظ : الجافي القاسي ، وقوله سخاب : بالسين والصاد وهو كثير الصياح في

الأسواق ، والاعوجاج : ضد الاستقامة وأراد بالملة العوجاء : الكفر والقلب الأغلف : الذي لا يصل إليه شيء ينفعه شبهه بالأغلف كأنه في غلاف.

وروى البغوي بسنده عن كعب الأحبار قال : إني أجد في التوراة مكتوبا محمد رسول اللّه لا فظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة ولكن يعفو ويصفح ، أمته الحامدون يحمدون اللّه في كل منزلة ويكبرونه على كل نجد يأتزرون على أنصافهم ويغضون أطرافهم صفهم في الصلاة وصفهم في القتال سواء مناديهم ينادي في جوف السماء لهم في جوف الليل دوي كدوي النحل مولده بمكة ومهاجره بطيبة وملكه بالشام.

وقوله تعالى : يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ يعني بالإيمان وتوحيد اللّه وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ يعني عن الشرك باللّه ،

وقيل : المعروف ما عرف في الشريعة والسنة والمنكر ما لا يعرف في شريعة ولا سنة.

وقال عطاء : يأمرهم بالمعروف بخلع الأنداد وبمكارم الأخلاق وصلة الأرحام وينهاهم عن المنكر عن عبادة الأوثان وقطع الأرحام وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ يعني بذلك ما كان محرما عليهم في التوراة من الطيبات وهو لحوم الإبل وشحم الغنم والمعز والبقر ،

وقيل : هو ما كانوا يحرمونه على أنفسهم في الجاهلية من البحائر والسوائب والوصائل والحوامي ،

وقيل : هي المستلذات التي تستطيبها الأنفس وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ قال ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما : يريد الميتة والدم ولحم الخنزير ،

وقيل : هو كل ما يستخبثه الطبع وتستقذره النفس ، فإن الأصل في المضار الحرمة إلا ما له دليل متصل بالحل وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ يعني ثقلهم وأصل الإصر الثقل الذي يأصر صاحبه أي يحبسه عن الحركة لثقله ، والمراد بالإصر هنا العهد والميثاق الذي أخذ على بني إسرائيل أن يعملوا بما في التوراة من الأحكام فكانت تلك الشدائد وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ يعني ويضع الأثقال والشدائد التي كانت عليهم في الدين والشريعة وذلك مثل قتل النفس في التوبة وقطع الأعضاء الخاطئة وقرض النجاسة عن البدن والثوب بالمقراض وتعيين القصاص في القتل وتحريم أخذ الدية وترك العمل في السبت وأن صلاتهم لا تجوز إلا في الكنائس وتتبع العروق في اللحم وغير ذلك من الشدائد التي كانت على بني إسرائيل شبهت بالأغلال مجازا لأن التحريم يمنع من الفعل كما أن الغل يمنع من الفعل ،

وقيل : شبهت بالأغلال التي تجمع اليد إلى العنق.

كما أن اليد لا تمتد مع وجود الغل فكذلك لا تمتد إلى الحرام الذي نهيت عنه وكانت هذه الأثقال في شريعة موسى عليه الصلاة والسلام فلما جاء محمد عليه الصلاة والسلام نسخ ذلك كله ويدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام : بعثت بالحنيفية السهلة السمحة فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ يعني بمحمد عليه الصلاة والسلام وَعَزَّرُوهُ يعني وقّروه وعظموه ، وأصل التعزير المنع والنصرة وتعزير النبي صلى اللّه عليه وسلم تعظيمه وإجلاله ودفع الأعداء عنه وهو قوله وَنَصَرُوهُ يعني على أعدائه وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ يعني القرآن سمي القرآن نورا لأن به يستنير قلب المؤمن فيخرج به من ظلمات الشك والجهالة إلى ضياء اليقين والعلم أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ يعني هم الناجون الفائزون بالهداية.

قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّه إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللّه وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّه وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨) وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)

﴿ ١٥٧