١٥٨١٥٩قوله تعالى : قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّه إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم أي قل يا محمد للناس إني رسول اللّه إليكم جميعا لا إلى بعضكم دون بعض ففي الآية دليل على عموم رسالته إلى كافة الخلق ، لأن قوله يا أيها الناس خطاب عام يدخل فيه جميع الناس ثم أمره اللّه عز وجل بأن يقول إني رسول اللّه إليكم جميعا ، وهذا يقتضي كونه مبعوثا إلى جميع الناس (ق) عن جابر قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم (أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وجعلت لي الأرض طيبة وطهورا ومسجدا فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان ونصرت بالرعب على العدو بين يدي مسيرة شهر وأعطيت الشفاعة) وفي رواية (أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلّ وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد من قبلي وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة) وقوله في الرواية الأولى وبعثت إلى كل أحمر وأسود قيل أراد بالأحمر العجم وبالأسود العرب وقيل أراد بالأحمر الإنس وبالأسود الجن فعلى هذا تكون رسالته صلى اللّه عليه وسلم عامة إلى كافة الخلق من الإنس والجن. (م) عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال (فضلت على الأنبياء بستة أعطيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب وأحلت لي الغنائم وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأرسلت إلى الخلق كافة وختم بي النبيون). وقوله تعالى : الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لما أمر اللّه عز وجل رسوله محمدا بأن يقول (يا أيها الناس إني رسول اللّه إليكم جميعا) أردفه بما يدل على صحة دعواه : يعني أن الذي له ملك السموات والأرض وهو مدبرهما ومالك أمرهما هو الذي أرسلني إليكم وأمرني بأن أقول لكم إني رسول اللّه إليكم جميعا لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وصف اللّه نفسه بالإلهية وأنه لا شريك له فيها وأنه القادر على إحياء خلقه وإماتتهم ومن كان كذلك فهو القادر على إرسال الرسل إلى خلقه فَآمِنُوا بِاللّه وَرَسُولِهِ لما أمر اللّه رسوله محمدا صلى اللّه عليه وسلم بأن يقول للناس إني رسول اللّه إليكم جميعا أمر اللّه جميع خلقه بالإيمان به ورسوله وذلك لأن الإيمان باللّه هو الأصل والإيمان برسوله فرع عنه فلهذا بدأ بالإيمان باللّه ثم ثنى بالإيمان برسوله فقال فآمنوا باللّه ورسوله ثم وصفه اللّه تعالى فقال النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ تقدم معناهما الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّه وَكَلِماتِهِ قال قتادة : يعني آياته وهو القرآن ، وقال مجاهد والسدي : أراد بكلماته عيسى ابن مريم لأنه خلق بقوله كن فكن ، وقيل : هو على العموم يعني يؤمن بجميع كلمات اللّه تعالى : وَاتَّبِعُوهُ يعني واقتدوا به أيها الناس فيما يأمركم به وينهاكم عنه وقيل : المتابعة على قسمين : متابعة في الأقوال ومتابعة في الأفعال. أما المتابعة في الأقوال فبأن يتمثل التابع جميع ما أمره به المتبوع على طريق الأمر والنهي والترغيب والترهيب ، وأما المتابعة في الأفعال فبأن يقتدي به في جميع أفعاله وآدابه إلا ما خص به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وثبت بالدليل أنه من خصائصه فلا متابعة فيه وقوله تعالى : لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ يعني لكي تهتدوا وترشدوا وتصيبوا الحق والصواب في متابعتكم إياه. قوله عز وجل : وَمِنْ قَوْمِ مُوسى يعني من بني إسرائيل أُمَّةٌ أي جماعة يَهْدُونَ بِالْحَقِّ يعني يهتدون بالحق ويستقيمون عليه ويعملون به ويرشدون إليه وَبِهِ يَعْدِلُونَ يعني وبالحق يحكمون وبالعدل يأخذون ويعطون ويتصفون. واختلفوا في هؤلاء من هم فقيل هم الذين أسلموا من بني إسرائيل مثل عبد اللّه بن سلام وأصحابه فإنهم آمنوا بموسى والتوراة وآمنوا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم والقرآن واعترض على هذا بأنهم كانوا قليلين ولفظ الأمة يقتضي الكثرة. وأجيب عنه بأنهم لما كانوا مخلصين في الدين جاز إطلاق لفظ الأمة عليهم كما في قوله إن إبراهيم كان أمة وقيل هم قوم بقوا على الدين الحق الذي جاء به موسى عليه الصلاة والسلام قبل التحريف والتبديل ودعوا الناس إليه. وقال السدي وابن جريج وجماعة من المفسرين : إن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم وكفروا وكانوا اثني عشر سبطا تبرأ سبط منهم مما صنعوا واعتذروا وسألوا اللّه أن يفرق بينهم وأن يبعدهم عنم ففتح اللّه لهم نفقا في الأرض فساروا فيه حتى خرجوا من وراء الصين فهم هناك حنفاء مسلمون يستقبلون قبلتنا. قال ابن جريج قال ابن عباس : ساروا في السرب سنة ونصفا رواه الطبري. وحكى البغوي عن الكلبي والضحاك والربيع قالوا : هم قوم خلف الصين بأقصى الشرق على نهر يسمى نهر الأردن ليس لأحد منهم مال دون صاحبه يمطرون بالليل ويصحون بالنهار ويزرعون ولا يصل إليهم أحد منا وهم على الحق. وذكر لنا أن جبريل ذهب بالنبي صلى اللّه عليه وسلم ليلة الإسراء به فكلمهم فقال لهم جبريل : هل تعرفون من تكلمون؟ قالوا : لا ، قالوا هذا محمد النبي الأمي فآمنوا به وقالوا يا رسول اللّه إن موسى أوصانا أن من أدرك منكم أحمد فليقرأ مني عليه السلام فرد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على قوم موسى وأقرأهم عشر سور من القرآن نزلت عليه بمكة وأمرهم بالصلاة والزكاة وأمرهم أن يقيموا مكانهم وكانوا يسبتون فأمرهم أن يجمعوا ويتركوا السبت وهذه الحكاية ضعيفة من وجوه : الأول : قولهم إن أحدا منا لا يصل إليهم وإذا كان كذلك فمن ذا الذي أوصل خبرهم إلينا. الوجه الثاني : قولهم إن جبريل ذهب بالنبي صلى اللّه عليه وسلم ليلة الإسراء به وهذا لم يرد به نقل صحيح ولا رواه أحد من أئمة الحديث ولا يلتفت إلى قول الأخباريين والقصاص في ذلك. الوجه الثالث : قولهم إنهم بلغوا النبي صلى اللّه عليه وسلم موسى وقد صح في حديث المعراج أنه سلم عليه في السماء السادسة وأيضا قولهم وأقرأهم عشر سور وقد نزل عليه بمكة أكثر من ذلك وكان فرض الزكاة بالمدينة فكيف يأمرهم بها قبل فرضيتها فإذا ثبت بما ذكرناه بطلان هذه الرواية فالمختار في تفسير هذه الآية أنها إما أن تكون نزلت في قوم كانوا متمسكين بدين موسى قبل التبديل والتغيير ثم ماتوا وهم على ذلك وإما أن تكون قد نزلت فيمن أسلم من اليهود على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كعبد اللّه بن سلام وأصحابه واللّه أعلم بمراده. |
﴿ ١٥٨ ﴾