١٣

٢٣

وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ يعني وما خلق لكم في الأرض ، وسخر لأجلكم من الدواب والأنعام والأشجار والثمار مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ يعني في الخلقة والهيئة والكيفية واختلاف ألوان المخلوقات مع كثرتها ، حتى لا يشبه بعضها بعضا من كل الوجوه ، فيه دليل قاطع على كمال قدرة اللّه ولذلك ختم هذه الآية بقوله تعالى وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لما ذكر اللّه سبحانه وتعالى الدلائل الدالة على قدرته ، ووحدانيته من خلق السموات والأرض ، وخلق الإنسان من نطفة وخلق سائر الحيوان والنبات وتسخير الشمس والقمر والنجوم وغير ذلك ، من آثار قدرته ، وعجائب صنعته وذكر إنعامه في ذلك على عباده ، ذكر بعد ذلك إنعامه على عباده بتسخير البحر لهم نعمة من اللّه عليهم ، ومعنى تسخير اللّه البحر لعباده جعله بحيث يتمكن الناس من الانتفاع به.

فقال تعالى : وهو الذي سخر البحر لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا فبدأ بذكر الأكل لأنه أعظم المقصود ، لأن به قوام البدن وفي ذكر الطري مزيد فائدة دالة على كمال قدرة اللّه تعالى ، وذلك أن السمك لون كان كله مالحا لما عرف به من قدرة اللّه تعالى ، ما يعرف بالطري لأنه لما خرج من البحر الملح الزعاق ، الحيوان الطري الذي لحمه في غاية العذوبة علم أنه إنما حدث بقدرة اللّه ، وخلقه لا بحسب الطبع وعلم بذلك أن اللّه قادر على إخراج الضد من الضد. المنفعة الثانية

قوله تعالى وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها يعني اللؤلؤ والمرجان ، كما قال تعالى : يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان والمراد بلبسهم لبس نسائهم لأن زينة النساء بالحلي ، وإنما هو لأجل الرجال فكان ذلك زينة لهم.

المنفعة الثالثة

قوله تعالى وَتَرَى الْفُلْكَ يعني السفن مَواخِرَ فِيهِ يعني جواري فيه قال قتادة : مقبلة ومدبرة وذلك أنك ترى سفينتين إحداهما تقبل والأخرى تدبر تجريان بريح واحدة ، وأصل المخر في اللغة الشق يقال : مخرت السفينة مخرا إذا شقت الماء بجؤجؤها. وقال مجاهد : تمخر الرياح السفن يعني أنها إذا جرت يسمع لها صوت قال أبو عبيدة : يعني من صوائح والمخر صوت هبوب الريح عند شدتها وقال الحسن : مواخر يعني مواقر أي مملوءة متاعا وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ يعني الأرباح بالتجارة في البحر وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ يعني إنعام اللّه عليكم إذا رأيتم نعم اللّه فيما سخر لكم وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ يعني جبالا ثقالا أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ يعني لئلا تميل وتضطرب

بكم ، والميد هو اضطراب الشيء العظيم كالأرض ، وقال وهب : لما خلق اللّه سبحانه وتعالى الأرض جعلت تمور وتتحرك فقالت الملائكة : إن هذه غير مقرة أحدا على ظهرها فأصبحوا ، وقد أرسيت بالجبال فلم تدر الملائكة مم خلقت الجبال وَأَنْهاراً يعني وجعل فيها أنهارا لأن في ألقى معنى الجعل ، ف

قوله سبحانه وتعالى :

وأنهارا معطوف على وألقى ، ولما ذكر اللّه الجبال ذكر بعدها الأنهار لأن معظم عيون الأنهار ، وأصولها تكون من الجبال وَسُبُلًا يعني وجعل فيها طرقا مختلفة تسلكونها في أسفاركم ، والتردد في حوائجكم من بلد إلى بلد ومن مكان إلى مكان لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ يعني بتلك السبل إلى ما تريدون فلا تضلون وَعَلاماتٍ يعني وجعل فيها علامات تهتدون بها في أسفاركم قال بعضهم : تم الكلام عند قوله : وعلامات ثم ابتدأ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ قال محمد بن كعب والكلبي : أراد بالعلامات الجبال والنجوم ، فالجبال علامات النهار ، والنجوم علامات الليل. وقال مجاهد : أراد بالكل النجوم فمنها ما يكون علامات ومنها ما يهتدي به. وقال السدي : أراد بالنجم الثريا وبنات نعش والفرقدين والجدي ، فهذه يهتدى بها إلى الطريق والقبلة. وقال قتادة : إنما خلق اللّه النجوم لثلاثة أشياء لتكون زينة السماء ومعالم الطريق ورجوما للشياطين فمن قال غير هذا فقد تكلف ما لا علم له به.

قوله سبحانه وتعالى أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ لما ذكر اللّه عز وجل من عجائب قدرته وغرائب صنعته ، وبديع خلقه ما ذكر على الوجه الأحسن والترتيب الأكمل ، وكانت هذه الأشياء المخلوقة المذكورة في الآيات المتقدمة كلها دالة على كمال قدرة اللّه تعالى ، ووحدانيته وأنه تعالى هو المنفرد بخلقها جميعا قال على سبيل الإنكار على من ترك عبادته واشتغل بعبادة هذه الأصنام التي لا تضر ولا تنفع ، ولا تقدر على شيء أَفَمَنْ يَخْلُقُ يعني هذه الأشياء الموجودة المرئية بالعيان ، وهو اللّه تعالى الخالق لها كَمَنْ لا يَخْلُقُ يعني هذه الأصنام العاجزة التي لا تخلق شيئا البتة ، لأنها جمادات لا تقدر على شيء ، فكيف يليق بالعاقل أن يشتغل بعبادتها ويترك عبادة من يستحق العبادة وهو اللّه خالق هذه الأشياء كلها ، ولهذا المعنى ختم هذه الآية بقوله أَفَلا تَذَكَّرُونَ يعني أن هذا القدر ظاهر غير خاف على أحد فلا يحتاج فيه إلى دقيق الفكر والنظر بل مجرد التذكر فيه ، كفاية لمن فهم وعقل واعتبر بما ذكره. بقي في الآية سؤالان :

الأول : قوله : كمن لا يخلق المراد به الأصنام وهي جمادات لا تعقل فكيف يعبر عنها بلفظة من وهي لمن يعقل ، والجواب عنه أن الكفار لما سموا هذه الأصنام آلة وعبدوها أجريت مجرى من يعقل في زعمهم ألا ترى إلى قوله : بعد هذا والذين تدعون من دون اللّه لا يخلقون شيئا فخاطبهم على قدر زعمهم ، وعقولهم.

السؤال الثاني : قوله : أفمن يخلق كمن لا يخلق المقصود منه إلزام الحجة على من عبد الأصنام حيث جعل غير الخالق مثل الخالق ، فكيف قال على سبيل الاستفهام أفمن يخلق كمن لا يخلق والجواب عنه أنه ليس المراد منه الاستفهام بل المراد منه أن من خلق الأشياء العظيمة وأعطى هذه النعم الجزيلة ، كيف يسوى بينه وبين هذه الجمادات الخسيسة في التسمية والعبادة ، وكيف يليق بالعاقل أن يترك عبادة من يستحق العبادة لأنه خالق هذه الأشياء الظاهرة كلها ، ويشتغل بعبادة جمادات لا يخلق شيئا البتة واللّه أعلم.

وقوله تعالى وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها يعني أن نعم اللّه على العبد فيما خلق اللّه فيه من صحة البدن وعافية الجسم ، وإعطاء النظر الصحيح والعقل السليم ، والسمع الذي يفهم به الأشياء وبطش اليدين وسعي الرجلين إلى غير ذلك مما أنعم به عليه في نفسه ، وفيما أنعم به عليه مما خلق له من جميع ما يحتاج إليه من أمر الدين والدنيا لا تحصى حتى لو رام أحد معرفة أدنى نعمة من هذه النعم لعجز عن معرفتها وحصرها فكيف بنعمة العظام التي لا يمكن الوصول إلى حصرها لجميع الخلق فذلك

قوله تعالى وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها يعني ولو اجتهدتم في ذلك وأتعبتم نفوسكم لا تقدرون عليه إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ يعني لتقصيركم في القيام بشكر نعمته كما يجب عليكم رَحِيمٌ يعني بكم حيث وسع عليكم النعم ، ولم يقطعها عنكم بسبب التقصير ، والمعاصي وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ يعني أن الكفار مع كفرهم كانوا يسرون أشياء. وهو ما كانوا

يمكرون بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وما يعلنون يعني ، وما يظهرون من إيذائه فأخبرهم اللّه عز وجل أنه عالم بكل أحوالهم سرها وعلانيتها لا تخفى عليه خافية وإن دقت وخفيت ،

وقيل : إن اللّه سبحانه تعالى لما ذكر الأصنام وذكر عجزها في الآية المتقدمة ذكر في هذه الآية أن الإله الذي يستحق العبادة ، يجب أن يكون عالما بكل المعلومات سرها وعلانيتها ، وهذه الأصنام ليست كذلك فلا تستحق العبادة ثم وصف اللّه هذه الأصنام بصفات

فقال تعالى وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني الأصنام التي تدعونها آلهة من دون اللّه لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ

فإن قلت :

قوله سبحانه وتعالى في الآية المتقدمة أفمن يخلق كمن لا يخلق ، يدل على أن هذه الأصنام لا تخلق شيئا ف

قوله سبحانه وتعالى : لا يخلقون شيئا وهم يخلقون هذا هو نفس المعنى المذكور في تلك الآية فما فائدة التكرار؟

قلت : فائدته أن المعنى المذكور في الآية المتقدمة أنهم لا يخلقون شيئا فقط والمذكور في هذه الآية أنهم لا يخلقون شيئا وإنهم مخلوقون كغيرهم ، فكان هذا زيادة في المعنى وهو فائدة التكرار أَمْواتٌ أي جمادات ميتة لا حياة فيها غَيْرُ أَحْياءٍ يعني كغيرها ، والمعنى لو كانت هذه الأصنام آلهة كما تزعمون لكانت أحياء غير جائز عليها الموت لأن الإله الذي يستحق أن يعبد هو الحي الذي لا يموت وهذه أموات غير أحياء ، فلا تستحق العبادة فمن عبدها فقد وضع العبادة في غير موضعها. وقوله وَما يَشْعُرُونَ يعني هذه الأصنام أَيَّانَ يُبْعَثُونَ يعني متى يبعثون وفيه دليل على أن الأصنام تجعل فيها الحياة ، وتبعث يوم القيامة حتى تتبرأ من عابديها.

وقيل : معناه ما يدري الكفار الذين عبدوا الأصنام متى يبعثون.

قوله سبحانه وتعالى إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ يعني أن الذي يستحق العبادة هو إله واحد ، وهذه أصنام متعددة فكيف تستحق العبادة فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ يعني جاحدة لهذا المعنى وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ يعني عن اتباع الحق لأن الحق إذا تبين كان تركه تكبرا لا جَرَمَ يعني حقا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ يعني عن اتباع الحق

(م) عن ابن مسعود أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) فقال رجل : إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا وفعله حسنا قال : (إن اللّه جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق ، وغمط الناس) قوله بطر الحق هو أن يجعل ما جعله اللّه حقا من توحيده ، وعبادته باطلا وهذا على قول من جعل أصل البطر من الباطل ، ومن جعله من الحيرة فمعناه يتحير عند سماء الحق فلا يقبله ، ولا يجعله حقا ،

وقيل : البطر التكبر يعني أنه يتكبر عند سماع الحق فلا يقبله ،

وقوله : وغمط الناس يقال : غمطت حق فلان إذا احتقرته ولم تره شيئا وكذا معنى غمصته أي انتقصت به وازدريته.

قوله عز وجل :

وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤) لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (٢٥) قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٦) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ (٢٧) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)

فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩)

وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)

﴿ ١٣