٦٣

٧١

قالَ يعني يوشع أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ وهي صخرة كانت بالموضع الموعود فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ أي تركته وفقدته ، وذلك أن يوشع حين رأى من الحوت ذلك قام ليدرك موسى فيخبره فنسي أن يخبره ، فمكثا يومهما حتى صليا الظهر من الغد ثم قال وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ أي وما أنساني أن أذكر لك أمر الحوت إلا الشيطان ، قيل المراد من النسيان شغل قلب الإنسان بوساوس الشيطان التي هي فعله دون النسيان الذي يضاد الفكر لأن ذلك لا يصح إلا من قبل اللّه تعالى وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً قيل هذا من قول يوشع بن نون يعني وقع الحوت في البحر فاتخذ سبيله فيه مسلكا. وروي في الخبر كان للحوت سربا ولموسى ولفتاه عجبا

وقيل أي شيء أعجب من حوت يؤكل منه دهرا ثم صار حيا بعد ما أكل بعضه.

قوله عز وجل قالَ يعني موسى ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ نطلب فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً أي رجعا يقصان الذي جاءا منه ويتبعانه فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا قيل كان ملكا من الملائكة والصحيح الذي ثبت عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وجاء في التواريخ أنه الخضر واسمه بليا بن ملكان وكنيته أبو العباس ، قيل كان من بني إسرائيل

وقيل كان من أبناء الملوك الذين تزهدوا وتركوا الدنيا والخضر لقب له ، سمي به لأنه جلس على فروة بيضاء فاخضرت.

(خ) عن أبي هريرة قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم (إنما سمي خضرا لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز تحته خضراء) ، الفروة قطعة نبات مجتمعة يابسة

وقيل سمي خضرا لأنه كان إذا صلّى اخضر ما حوله. وروينا أن موسى رأى الخضر مسجى بثوب فسلم عليه ، فقال الخضر : وأنى بأرضك السلام قال : أنا موسى أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا. ومعنى مسجى بثوب أي مغطى بثوب وقوله وأنى بأرضك السلام معناه من أين بأرضك التي أنت فيها الآن السلام.

وروي أنه لقيه على طنفسة خضراء على جانب البحر فذلك

قوله سبحانه وتعالى فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً أي نعمة مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً أي علم الباطن إلهاما ولم يكن الخضر نبيا عند أكثر أهل العلم.

فإن قلت ظاهر الآيات يدل على أن الخضر كان أعلى شأنا من موسى وكان موسى يظهر التواضع له والتأدب معه

قلت لا يخلو إما أن يكون الخضر من بني إسرائيل أو من غيرهم فإن كان من بني إسرائيل فهو من أمة موسى ، ولا جائز أن يكون أحد الأمة أفضل من نبيها أو أعلى شأنا منه ، وإن كان من غير بني إسرائيل فقد قال اللّه تعالى لبني إسرائيل وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ أي على عالمي زمانكم قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ معناه جئت لأصحبك وأتبعك عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً أي صوابا

وقيل علما ترشدني به. وفي بعض

الأخبار قال الخضر لموسى : كفى بالتوراة علما وبني إسرائيل شغلا ، فقال له موسى : إن اللّه أمرني بهذا فحينئذ قالَ الخضر لموسى إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً وإنما قال ذلك لأنه علم أنه يرى أمورا منكرة ولا يجوز للأنبياء الصبر مع المنكرات ثم بين عذره في ترك الصبر فقال وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً أي علما قالَ موسى سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً إنما استثنى لأنه لم يثق من نفسه بالصبر وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً أي أخالفك فيما تأمرني به قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي أي فإن صحبتني ولم يقل اتبعني ولكن جعل الاختيار إليه شرط عليه ثم شرطا فقال فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ أي مما أعمله مما تنكره ولا تعترض عليه حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً معناه حتى أبتدئ بذكره فأبين لك شأنه.

قوله سبحانه وتعالى فَانْطَلَقا أي يمشيان على الساحل يطلبان سفينة يركبانها ، فوجدا سفينة فركباها فقال أهل السفينة هؤلاء لصوص ، وأمروهما بالخروج فقال صاحب السفينة ما هم بلصوص ولكن أرى وجوه الأنبياء. وروينا عن أبي بن كعب عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم (مرت بهم سفينة فكلموهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوهم بغير نول ، أي بغير عوض ولا عطاء ، فلما لججوا في البحر أخذ الخضر فأسا فخرق لوحا من ألواح السفينة فذلك)

قوله تعالى حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ يعني موسى له أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً أي أتيت شيئا عظيما

منكرا. روي أن الخضر لما خرق السفينة لم يدخلها الماء وروي أن موسى لما رأى ذلك أخذ ثوبه فحشا به الخرق.

قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٧٢) قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً (٧٣) فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً (٧٤) قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٧٥) قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً (٧٦)

فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً (٧٧)

﴿ ٧٠