٧٢

٧٩

وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً يعني عطية من عطاء اللّه. قال ابن عباس : النافلة هو يعقوب لأن اللّه

تعالى أعطى إبراهيم إسحاق بدعائه حيث قال : رب هب لي من الصالحين وزاده يعقوب نافلة وهو ولد الولد وَكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ يعني إبراهيم وإسحاق ويعقوب وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يعني قدوة يهتدى بهم في الخير يَهْدُونَ بِأَمْرِنا يعني يدعون الناس إلى ديننا بأمرنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ يعنى العمل بالشرائع وَإِقامَ الصَّلاةِ يعني المحافظة عليها وَإِيتاءَ الزَّكاةِ يعني الواجبة وخصهما لأن الصلاة أفضل العبادات البدنية وشرعت لذكر اللّه والزكاة أفضل العبادات المالية ومجموعهما التعظيم لأمر اللّه والشفقة على خلق اللّه وَكانُوا لَنا عابِدِينَ يعني موحدين

قوله عز وجل وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً أي الفصل بين الخصوم بالحق

وقيل أراد الحكمة والنبوة وَعِلْماً وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ يعني قرية سدوم وأراد أهلها وأراد بالخبائث إتيان الذكور في أدبارهم ، وكانوا يتضارطون في مجالسهم مع أشياء أخرى كانوا يعلمونها من المنكرات إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا قيل : أراد بالرحمة النبوة

وقيل أراد بها الثواب إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ أي الأنبياء.

قوله تعالى : وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ أي من قبل إبراهيم ولوط فَاسْتَجَبْنا لَهُ أي أجبنا دعاءه فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ قال ابن عباس من الغرق وتكذيب قومه له ،

وقيل : إنه كان أطول الأنبياء عمرا وأشدهم بلاء. والكرب أشد الغم وَنَصَرْناهُ أي منعناه مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا من أن يصلوا إليه بسوء

وقيل من بمعنى على إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ.

قوله عز وجل وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ قال ابن عباس وأكثر المفسرين : كان الحرث كرما قد تدلت عناقيده

وقيل كان زرعا وهو أشبه بالعرف إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ أي رعته ليلا فأفسدته وكان بلا راع وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ أي كان ذلك بعلمنا ومرأى منا لا يخفى علينا علمه. وفيه دليل لمن يقول بأن أقل الجمع اثنان لقوله وكنا لحكمهم والمراد به داود وسليمان قال ابن عباس وغيره. إن رجلين دخلا على داود

أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم فقال صاحب الزرع إن غنم هذا دخلت زرعي ليلا فوقعت فيه فأفسدته فلم تبق منه شيئا فأعطاه رقاب الغنم بالزرع ، فخرجا فمرا على سليمان فقال : كيف قضى بينكما فأخبراه فقال سليمان : لو وليت أمركما لقضيت بغير هذا وروي أنه قال غير هذا أرفق بالفريقين ، فأخبر بذلك داود فدعاه وقال : كيف تقضي ويروى أنه قال له بحق النبوة والأبوة إلا ما أخبرتني بالذي هو أرفق بالفريقين؟ قال أدفع الغنم إلى صاحب الحرث ينتفع بدرها ونسلها وصوفها ومنافعها ، ويزرع صاحب الغنم لصاحب الحرث مثل حرثه ، فإذا صار الحرث كهيئته يوم أكل دفع إلى صاحبه وأخذ صاحب الغنم غنمه فقال داود : القضاء ما قضيت وحكم بذلك ، فقيل : كان لسليمان يوم حكم بذلك من العمر إحدى عشر سنة.

وحكم الإسلام في هذه المسألة أن ما أفسدته الماشية المرسلة من مال الغير بالنهار فلا ضمان على ربها وما أفسدته بالليل ضمنه ربها لأن في عرف الناس أن أصحاب الزرع يحفظونه بالنهار والمواشي تسرح بالنهار وترد بالليل إلى المراح. ويدل على هذه المسألة ما روى حرام بن سعد بن محيصة أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائطا لرجل من الأنصار فأفسدت فيه فقضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن على أهل الأموال حفظها بالنهار ، وعلى أهل المواشي حفظها بالليل وزاد في رواية : وإن على أهل الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل ، أخرجه أبو داود مرسلا. وذهب أصحاب الرأي أن المالك إذا لم يكن مع ماشيته فلا ضمان عليه فيما أتلفت ليلا كان أو نهارا ، فذلك

قوله تعالى : فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ أي علمناه وألهمناه حكم القضية وَكُلًّا أي داود وسليمان آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً أي بوجوه الاجتهاد وطرق الأحكام قال الحسن لولا هذه الآية لرأيت الحكام قد هلكوا ولكن اللّه حمد هذا بصوابه وأثنى على هذا باجتهاده.

واختلف العلماء في أن حكم داود كان باجتهاده أم بنص ، وكذلك حكم سليمان فقال بعضهم : حكما

بالاجتهاد. قال : ويجوز الاجتهاد للأنبياء ليدركوا ثواب المجتهدين والعلماء لهم الاجتهاد في الحوادث إذا لم يجدوا فيها نص كتاب أو سنة وإذا أخطئوا فلا إثم عليهم

(ق) عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر) وقال قوم إن داود وسليمان حكما بالوحي فكان حكم سليمان ناسخا لحكم داود ومن قال بهذا يقول لا يجوز للأنبياء الحكم بالاجتهاد لأنهم مستغنون عنه بالوحي ، واحتج من ذهب إلى أن كل مجتهد مصيب بظاهر هذه الآية وبالحديث حيث وعد الثواب للمجتهد على الخطأ ، وهو قول أصحاب الرأي وذهب جماعة إلى أنه ليس كل مجتهد مصيبا بل إذا اختلف اجتهاد المجتهدين في حادثة كان الحق مع واحد لا بعينه ، ولو كان كل واحد مصيبا لم يكن للتقسيم معنى ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : (إذا اجتهد فأخطأ فله أجر) لم يرد به أنه يؤجر على الخطأ بل يؤجر على اجتهاده في طلب الحق لأن اجتهاده عبادة والإثم في الخطأ عنه موضوع إذا لم يأل جهدا ، ووجه الاجتهاد في هذا الحكم أن داود قوم قدر الضرر في الحرث فكان مساويا لقيمة الغنم ، وكان عنده أن الواجب في ذلك الضرر في الحرث قيمة المثل ، فلا جرم سلم الغنم إلى المجني عليه.

وأما سليمان فإن اجتهاده أدى إلى أنه يجب مقابلة الأصول بالأصول والزوائد بالزوائد ، فأما مقابلة الأصول بالزوائد فغير جائزة ، ولعل منافع الغنم في تلك السنة كانت موازية لمنافع الحرث فحكم به. ومن أحكام داود وسليمان عليهما السلام ما روي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : (كانت امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب فذهب بابن إحداهما فقالت لصاحبتها إنما ذهب بابنك وقالت الأخرى : إنما ذهب بابنك فتحاكمتا إلى داود فقضى به للكبرى فخرجتا على سليمان بن داود فأخبرتاه فقال : ائتوني بالسكين أشقه بينهما فقالت الصغرى لا تفعل يرحمك اللّه هو ابنها فقضى به للصغرى) أخرجاه في الصحيحين

قوله تعالى وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ أي يسبحن مع داود إذا سبح قال ابن عباس كان يفهم تسبيح الحجر والشجر ، قيل :

كانت الجبال تجاوبه بالتسبيح وكذلك الطير

وقيل معنى يسبحن يصلين معه إذا صلى

وقيل كان داود إذا فتر يسمعه اللّه تسبيح الجبال والطير لينشط في التسبيح ويشتاق إليه وَكُنَّا فاعِلِينَ يعني ما ذكر من التفهيم وإيتاء الحكم والتسخير.

وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ (٨٠) وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ (٨١)

﴿ ٧٥