٦١

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً ... (٦١) فيه جميع ما يحتاج أهل التوحيد في التوحيد؛ لأنه أخبر أنه قاهر لخلقه وهم مقهورون، ومن البعيد أن يشبه القاهر المقهور بشيء، أو يشبه المقهور القاهر بوجه، أو يكون المقهور شريك القاهر في معنى؛ لأنه لو كان شيء من ذلك لم يكن قاهرا من جميع الوجوه، ولا كان الخلق مقهورًا في الوجوه كلها، فإذا كان اللّه قاهرًا بذاته الخلق كله كانت آثار قهره فيهم ظاهرة، وأعلام سلطانه فيهم بادية؛ دل على تعاليه عن الأشباه والأضداد، وأنه كما وصف {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}.

وقوله: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ}.

يكون على وجهين:

أحدهما: وهو القاهر وهو فوق عباده.

الثاني: على التقديم والتأخير؛ وهو فوق عباده القاهر.

ويحتمل قوله: {فَوْقَ عِبَادِهِ}: بالنصر لهم والمعونة والدفع عنهم؛ كقوله: {يَدُ اللّه فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}، أي: بالنصر والمعونة، والعظمة والرفعة والجلال، ونفاذ السلطان والربوبية.

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً}.

أخبر أنه القاهر فوق عباده، وأنه أرسل عليهم الحفظة؛ ليعلموا أن إرسال الحفظة عليهم لا لحاجة له في ذلك لما أخبر أنه قاهر فوق عباده ولو كان ذلك لحاجة له، لم يكن قاهرًا؛ لأن كل من وقعت له حاجة صار مقهورًا تحت قهر آخر، فاللّه - تعالى - يتعالى عن أن تمسه حاجة، أو يصيبه شيء مما يصيب الخلق، بل إنما أرسلهم عليهم لحاجة الخلق: إما امتحانًا منه للحفظة على محافظة أعمال العباد والكتابة عليهم، من غير أن تقع له في ذلك حاجة، يمتحنهم على ذلك، وللّه أن يمتحن عباده بما شاء من أنواع المحن، وإن أكرمهم ووصفهم بالطاعة في الأحوال كلها بقوله: {لَا يَعْصُونَ اللّه مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}، وغير ذلك من الآيات.

والثاني: يرسلهم عليهم بمحافظة أعمالهم والكتابة عليهم؛ ليكونوا على حذر في ذلك العمل، وذلك في الزجر أبلغ وأكثر؛ لأن من علم أن عليه رقيبًا في عمله وفعله كان أحذر في ذلك العمل. وأنظر فيه، وأحفظ له ممن لم يكن عليه ذلك، وإن كان يعلم كل مسلم أن اللّه عالم الغيب لا يخفى عليه شيء، عالم بما كان منهم وبما يكون أنه كيف يكون؟ ومتى يكون؟

ثم اختلف في الحفظة هاهنا:

قَالَ بَعْضُهُمْ: هم الذين قال اللّه أفيهم: (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢).

وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥) يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨) كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢). يكتبون أعمالهم ويحفظونها عليهم.

وقال آخرون: هم الذين يحفظون أنفاس الخلق، ويعدوز عليهم إلى وقت انقضائها وفنائها، ثم تقبض منه الروح ويموت؛ ألا ترى أنه قال على أثره: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ}؛ دل على أن الحفظة - هاهنا - هم الذين سلطوا على حفظ الأنفاس، والعد عليهم إلى وقت الموت، واللّه أعلم.

ثم في قوله: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} دلالة خلق أفعال العباد؛ لأنه ذكر مجيء الموت وتوفي الرسل،

وقال: {خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ}، ومجيء الموت هو توفي الرسل وتوفي الرسل هو مجيء الموت.

ثم أخبر أنه خلق الموت دل أنه خلق توفيهم، فاحتال بعض المعتزلة في هذا

وقال: إن الملك هو الذي ينزع الروح ويجمعه في موضع، ثم إن اللّه يتلفه ويهلكه. فلئن كان ما قال، فإذن لا يموت بتوفي الرسل أبدًا؛ لأنهم إذا نزعوا وجمعوا في موضع تزداد حياة الموضع الذي جمعوا فيه؛ لأنه اجتمع كل روح النفس في ذلك الموضع، فإن لم يكن دل أن ذلك خيال، والوجه فيه ما ذكرنا من الدلالة، وهو ظاهر بحمد اللّه، يعرفه كل عاقل يتأمل فيه ولم يعاند، وباللّه التوفيق.

ثم اختلف في قوله: {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا}:

قَالَ بَعْضُهُمْ: هو ملك الموت وحده، وإن خرج الكلام مخرج العموم بقوله: {رُسُلُنَا}، والمراد منه الخصوص؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ}، أخبر أنه هو الموكل والمسلط على ذلك.

 وقال آخرون: يتوفاه أعوان ملك الموت، ثم يقبضه ملك الموت ويتوفاه.

وقال قائلون: يكون معه ملائكة تقبض الأنفس، ويتوفاه ملك الموت.

لكن ذكر ذلك لا ندري أن كيف هو؟ ليس بنا إلى معرفة ذلك حاجة، ولكن إلى معرفة ما ذكرنا.

وقوله: {وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ} وفيه إخبار عن شدة طاعة الملائكة ربهم، وأن الرأفة لا تأخذهم فيما فيه تأخير أمر اللّه وتفريطه؛ لأن من دخل على من في النزع، أخذته من الرأفة ما لو ملك حياته لبذل له، فأخبر عَزَّ وَجَلَّ أنهم لا يفرطون فيما أمروا ولا يؤخرونه؛ لتعظيمهم أمر اللّه وشدة طاعتهم له، وعلى ذلك وصفهم: {غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللّه مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}، وقال - عَزَّ وَجَلَّ -: {لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ}،

وقال: {لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ}.

﴿ ٦١