٧٠

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا ... (٧٠) أي: وذر الذين اتخذوا لعبا ولهوا دينا؛ على التقديم والتأخير.

والثاني: اتخذوا اللعب واللّهو دينهم؛ حتى لا يفارقوا اللعب واللّهو؛ لأن الدِّين إنما يتخذ للأبد، فعلى ذلك اتخذ أُولَئِكَ اللعب واللّهو للأبد كالدِّين.

ثم هو يخرج على وجوه:

أحدها: اتخذوا دينهم عبادة ما لا ينفع ولا يضر، ولا يبصر ولا يسمع ولا يعلم، ومن عبد من هذا وصفه، واتخذ ذلك دينا - فهو عابث لاعب.

والثاني: اتخذوا دينهم ما هوته أنفسهم، ودعتهم الشياطين إليه، ومن اتخذ دينه بهوى نفسه، وما دعته نفسه إليه - فهو عابث لاعب.

والثالث: صار دينهم لعبًا وعبثًا؛ لأنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث، ومن لم يقصد بدينه الذي دان به عاقبة فهو عابث مبطل؛ كقوله - تعالى -: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا. . .} الآية، صير عدم الرجوع إليه عبثًا.

وقوله: {وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا}.

أي: شغلهم ما اختاروا من الحياة الدنيا والميل إليها عن النظر في الآيات والبراهين والحجج.

أو أن يكون قوله: {وَغَرَّتْهُمُ}، أي: اغتروا بالحياة الدنيا؛ أضاف التغرير إلى الحياة الدنيا لما بها اغتروا، واللّه أعلم.

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ}.

قيل: وذكر به قبل أن تبسل نفس بما كسبت، وإنَّمَا يذكرهم بهذا لئلا يقولوا غدًا: {إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ}.

وأصل الإبسال: الإهلاك، أو الإسلام للجهناية والهلاك.

ثم اختلف في قوله: {أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ}: عن ابن عَبَّاسٍ قال: أن تفضح نفس بما كسبت.

وقيل: تبسل: تؤخذ وتحبس؛ وهو قول قتادة؛ وكذلك قال في قوله: {أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا}، أي: حبسوا بما كسبوا.

وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللّه عَنْهُ -: {أُبْسِلُوا} أي: فضحوا؛ على ما قال في

{تُبْسَلَ}.

وعن الحسن: {تُبْسَلَ}، أي: تسلم وعن مجاهد كذلك.

قال أَبُو عَوْسَجَةَ: {تُبْسَلَ نَفْسٌ}: أي: تسلم، وذلك أن الرجل يجني جناية، فيسلم إلى أهل الجناية.

وقَالَ الْقُتَبِيُّ: {تُبْسَلَ} أي تسلم للّهلكة.

وعن الكيساني: {تُبْسَلَ}: تجزَى نفس بما كسبت.

وقال الفراء: {تُبْسَلَ}: ترهن.

وأصل الإبسال: هو الإسلام، وتفسيره ما ذكر على أثره، وهو قوله: {لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللّه وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ}؛ كما يكون بعضهم شفيعًا لبعض في الدنيا، وأعوانًا لهم وأنصارًا في دفع المضار والمظالم عنهم وجر المنافع إليهم، وأما في الآخرة: فإن كل نفس تسلم بما كسبت، لا شفيع لها ولا ولي؛ كقوله: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ}.

وكقوله: {وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً}، وغير ذلك من الآيات تسلم كل نفس إلى كسبها لا شفيع لها ولا ولي.

وقوله: {وَذَكِّرْ بِهِ}، يحتمل بالقرآن والآيات ويحتمل {بِهِ}، أي: باللّه، أي: عظ به أن تهلك نفس بما كسبت.

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا}.

اختلف فيه:

قَالَ بَعْضُهُمْ: العدل: الفداء؛ يقول: وإن فدت نفس كل الفداء

لتتخلص مما حل بها، لم يؤخذ منها ولم يقبل منها ذلك.

وقال الحسن: العدل: كل عمل البر والخير، أي: وإن عملت كل عمل البر والخير من الفداء والتوبة، لم يقبل منها ذلك؛ يخبر أن الدار الآخرة ليست بدار العمل، ولا يقبل فيها الرشا كما تقبل في الدنيا، وأخبر ألا يكون شفعاء يشفعون لهم، ولا أولياء ينصرونهم، ليس كالدنيا؛ لأن من أصابه في هذه الدنيا شيء، أو حل به عذاب أو غرامة - فإنما يدفع بإحدى هذه الخلال الثلاثة، إما بشفعاء يشفعونه، أو بأولياء ينصرونه، أو بالرشا، فأخبر أن الآخرة ليست بدار تقبل فيها الرشا، فتدفع ما حل بهم، أو أولياء ينصرونهم في دفع ذلك عنهم، أو شفعاء يشفعونهم.

فَإِنْ قِيلَ: ما معنى ذكر العدل والفداء، وليس عنده ما يفدي ولا يبذل وما يمكَّن من العمل؟

قيل: معناه - واللّه أعلم - أي: لو مكن لهم من الفداء ما يفدون في دفع ذلك عن أنفسهم، ومكن لهم من العمل ما لو عملوا، لم يقبل ذلك منهم.

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا}.

قد ذكرنا الاختلاف في الإبسال، وأصله: الإسلام يسلمون لما اكتسبوا لا يكون لهم

 شفعاء ولا أولياء، ولا يقبل منهم الرشا.

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ}.

قيل: الحميم: هو ماء حار قد انتهى حره يغلي ما في البطن إذا وصل إليه، فيشبه أن يكون لهم من الشراب ما ذكر؛ لما تناولوا في الدنيا من الشراب المحرم، فكان لهم في الآخرة الحميم مكان ذلك، والعذاب الأليم؛ لما أعطوا أنفسهم في الدنيا من الشهوات واللذات جزاء ذلك.

* * *

﴿ ٧٠