١٥٨

هَلْ يَنْظُرُونَ استفهام للانكار اى ما ينتظرون اهل مكة لايمانهم بالقران إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ قرأ حمزة و الكسائي بالياء التحتانية هاهنا و فى النحل على التذكير و الباقون بالفوقانية لكون الفاعل مؤنثا غير حقيقى الْمَلائِكَةُ يعنى ملئكة الموت او ملئكة العذاب او ملئكة يشهدون عيانا بصدق الرسول و حقية القران و الحاصل انهم لما لم يؤمنوا بعد مجئ ما كانوا يتمنون مجيئه و بعد وضوح امره و سطوع برهانه فلعلهم ينتظرون إتيان الملئكة حتى يومنوا حينئذ مع ان الايمان فى تلك الحالة غير مفيد و

قال البيضاوي معناه ما ينتظرون الا إتيان الملئكة شبهوا بالمنتظرين لما كان يلحقهم لحوق المنتظر و جاز ان يكون المراد بإتيان الملئكة نزولهم يوم القيامة فى الموقف كما يدل عليه قوله تعالى أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ بلا كيف لفصل القضاء بين خلقه فى موقف القيامة و قد مر نظير هذه الاية فى سورة البقرة هل ينظرون الا ان يأتيهم اللّه فى ظلل من الغمام و الملئكة و قضى الأمر و قد مر تفسيره و ما فيه خلاف السلف و الخلف و ما يليق و يتعلق به من الكلام هناك فليرجع اليه أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يعنى اشراط الساعة

قال البغوي يعنى طلوع الشمس من مغربها و عليه اكثر المفسرين و رواه ابو سعيد الخدري مرفوعا «١»

(١) عن ابن عباس قال خطبنا عمر فقال ايها الناس ستكون قوم من هذه الامة يكذبون بالرجم و يكذبون بالدجال و يكذبون بطلوع الشمس من مغربها و يكذبون بعذاب القبر و يكذبون بالشفاعة و يكذبون بقوم يخرجون من النار بعد ما امتحشوا ١٢ منه.

(فصل) فى اشراط الساعة عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال اطلع النبي صلى اللّه عليه و سلم و نحن نتذاكر فى الساعة فقال انها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات فذكر الدخان و الدجال و الدابة و طلوع الشمس من مغربها و نزول عيسى بن مريم و يأجوج و ماجوج و ثلث خسوف خسف بالمشرق و خسف بالمغرب و خسف بجزيرة العرب و اخر ذلك نار يخرج من اليمن يطرد الناس الى محشرهم و فى رواية نار يخرج من قعر عدن يسوق الناس الى المحشر و فى رواية العاشر ريح تلقى الناس فى البحر رواه مسلم و عن عبد اللّه بن عمر و قال سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول ان أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها و خروج الدابة على الناس ضحى و أيهما كانت قبل صاحبتها فالاخرى على اثرها قريبا رواه مسلم و عن النواس بن سمعان قال ذكر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم الدجال فقال ان يخرج و انا فيكم فانا حجيجه دونكم و ان يخرج و لست فيكم فامرء حجيج نفسه و اللّه خليفتى على كل مسلم انه شاب قطط عينه طافية كانى أشبهه بعبد العزى بن قطن فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف فانها جواركم من فتنته انه خارج خلة بين الشام و العراق فعاث يمينا و عاث شمالا يا عباد اللّه فاثبتوا

قلنا يا رسول اللّه و ما لبثه فى الأرض قال أربعون يوما يوم كسنة و يوم كشهر و يوم كجمعة و ساير أيامه كايامكم

قلنا فذلك اليوم الذي كسنة أ يكفينا فيه صلوة يوم قال لا اقدروا له قدره

قلنا يا رسول اللّه و ما اسراعه فى الأرض قال كالغيث استدبرته الريح فياتى على القوم فيدعوهم فيؤمنون به فيأمر السماء فتمطر و الأرض فتنبت فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذرعا و اسبغه ضروعا و امده خواصر ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله فينصرف منهم فيصبحون محلين ليس بايديهم شى ء من أموالهم و يمر بالخرية فيقول بها اخرجى كنوزك فتتبعه كنوزها كيعا سيب النحل ثم يدعو رجلا ممتليا شبابا فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض ثم يدعوه فيقبل و يتهلل وجهه يضحك فبينما هو كذلك إذ بعث اللّه المسيح بن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقى دمشق بين مهروذتين واضعا كفيه على اجنحة ملكين إذا طاطأ راسه قطر و إذا رفعه تحدر منه مثل جمان «١» كاللؤلؤء فلا يحل لكافر يجد من ريح نفسه إلا مات و نفسه

(١) حب يتخذ من الفضة ١٢.

ينتهى حيث ينتهى طرفه فيطلبه حتى يدركه بباب لدّ فيقتله ثم يأتي عيسى قوم قد عصمهم اللّه منه فيمسح عن وجوههم و يحدثهم بدرجات فى الجنة فبينما هو كذلك إذ اوحى اللّه الى عيسى انى قد أخرجت عبادا لى لا يدان لاحد لقتالهم فحرز عبادى الى الطور و يبعث اللّه يأجوج و ماجوج و هم من كل حدب ينسلون فيمر اوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها و يمر آخرهم فيقولون لقد كان بهذه مرة ماء ثم يسيرون حتى ينتهوا الى جبل الخمر و هو جبل بيت المقدس فيقولون لقد قتلنا من فى الأرض هلم فلنقتل من فى السماء فيرمون بنشابهم الى السماء فيرد اللّه عليهم نشابهم مخضوبة دما و يحصر نبى اللّه و أصحابه حتى يكون راس الثور لاحدهم خيرا من مائة دينار لاحدكم اليوم فيرغب نبى اللّه عيسى و أصحابه فيرسل اللّه عليهم النغف فى رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة ثم يهبط نبى اللّه عيسى و أصحابه الى الأرض فلا يجدون فى الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم «١» و نتنهم فيرغب نبى اللّه عيسى و أصحابه الى اللّه فيرسل اللّه طيرا كاعناق البخت فيحملهم فيطرحهم حيث شاء اللّه و فى رواية فيطرحهم فى النهبل «٢» و يستوقد المسلمون من قسيهم و نشابهم و جعابهم سبع سنين ثم يرسل اللّه مطرا لا يكن منه بيت مدر و لا وبر فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة «٣» ثم يقال للارض أنبتي ثمرتك وردى بركتك فيومئذ يأكل العصابة من الرمانة و يستظلون بقحفها و يبارك فى الرسل حتى ان اللقحة من الإبل لتكفى القيام من الناس و اللقحة من البقر لتكفى القبيلة من الناس و اللقحة من الغنم لتكفى الفخذ من الناس فبينما هم كذلك إذ بعث اللّه ريحا طيبة فتاخذهم تحت اباطهم فيقبض روح كل مؤمن و كل مسلم و يبقى شرار الناس يتهارجون يختلطون منها تهارج الحمر فعليهم يقوم الساعة رواه مسلم الا الرواية الثانية و هى قوله يطرحهم بالنهبل الى قوله سبع سنين رواه الترمذي و عن حذيفة عن النبي صلى اللّه عليه و سلم ان الدجال

(١) فرسى قتلى زهم رائحة اللحم ١٢.

(٢) قال صاحب القاموس فى الترمذي فى حديث الدجال فيطرحهم بالنهبل و هو تصحيف و الصواب بالميم ١٢.

(٣) الزلفة جمعها زلف مصانع الماء و قيل الروضة ١٢.

يخرج و ان معه ماء و نار فاما الذي يراه الناس ماء فنار يحرق و اما الذي يراه الناس نارا فماء بارد عذب فمن أدرك ذلك منكم فليقع فى الذي يراه نارا فانه ماء عذب طيب متفق عليه و زاد مسلم و ان الدجال ممسوح العين عليها ظفرة غليظة مكتوب بين عينيه كافر يقرأه كل مؤمن كاتب و غير كاتب و فى الصحيحين من حديث ابى هريرة انه يجئ و معه مثل الجنة و النار فالتى يقول انها الجنة هى النار و كذا عند مسلم من حديث حذيفة و فى حديث ابى سعيد عند مسلم إذ راه يعنى الدجال المؤمن قال يا ايها الناس هذا الدجال الذي ذكر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فيأمر الدجال فيوشر بالميشار من مفرقه حتى يفرق بين رجليه ثم يمشى الدجال بين القطعتين ثم يقول قم فيستوى قائما ثم يقول أ تؤمن بي فيقول ما ازددت منك الا بصيرة الحديث و فى حديث اسماء بنت يزيد رواه احمد ان من أشد فتنة الدجال انه يأتي الاعرابى فيقول ارايت ان أحييت لك إبلك الست تعلم انى ربك فيقول بلى فيتمثل له الشياطين نحو ابله كاحسن ما يكون ضروعا و أعظمه اسمنة و يأتي الرجل قد مات اخوه و مات أبوه فيقول ارايت ان أحييت لك أباك و أخاك الست تعلم انى ربك فيقول بلى فيتمثل له الشيطان نحو أبيه و نحو أخيه الحديث.

(فصل) و يكون قبل تلك الآيات ظهور المهدى عن ابن مسعود قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم لو لم يبق من الدنيا الا يوم لطول اللّه ذلك اليوم حتى يبعث اللّه فيه رجلا منى او من اهل بيتي يواطى اسمه اسمى و اسم أبيه اسم ابى يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا و روى الترمذي بلفظ لا يذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من اهل بيتي اسمه اسمى و عن أم سلمة عن النبي صلى اللّه عليه و سلم يكون اختلاف عند موت خليفة فيخرج رجل من اهل المدينة هاربا الى مكة فياتيه ناس من اهل مكة فيخرجونه و هو كاره فيبايعونه بين الركن و المقام و يبعث اليه بعث من الشام فيخسف بهم بالبيداء بين مكة و المدينة فاذا راى الناس ذلك أتاه ابدال الشام و عصائب اهل العراق فيبايعونه ثم ينشا رجل من قريش أخواله كلب فيبعث إليهم بعثا فيظهرون عليهم ذلك بعث كلب و يعمل فى الناس بسنة نبيهم و يلقى الإسلام بجرانه فى الأرض فيلبث سبع سنين ثم يتوفى و يصلى عليه المسلمون رواه ابو داؤد و روى ابو داؤد عن على انه نظر الى ابنه الحسن و قال ان ابني هذا سيد كما سماه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و سيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم يشبهه فى الخلق و لا يشبهه فى الخلق يملأ الأرض عدلا و عن ابى سعيد فى قصة المهدى قال فيجئ رجل فيقول يا مهدى أعطني أعطني قال فيحثى له فى ثوبه ما استطاع ان يحمله رواه الترمذي و عند الحاكم فى المستدرك يرضى عنه ساكن السماء و ساكن الأرض لا يدع السماء من قطرها شيئا إلا صبته مدرارا و لا يدع الأرض من نباتها شيئا الا أخرجته حتى يتمنى الاحياء الأموات يعيش فى ذلك سبع سنين او ثمان او تسع يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها حينئذ كالمحتضر إذا صار الأمر عيانا و الايمان واجب بالغيب لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ الجملة صفة لنفس أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً عطف على امنت احتج بهذه الاية من لم يعتبر الايمان المجرد عن العمل لان معنى الاية انه لا ينفع الايمان حينئذ نفسا لم يؤمن قبل ذلك اليوم و لا نفسا لم تكسب قبل ذلك اليوم خيرا فى إيمانها

قلنا هذه الاية لا تدل على عدم نفع ايمان من لم يكسب فيه خيرا مطلقا بل على عدم نفع إيمانه فى ذلك اليوم خاصة و ايضا أحد الامرين على التنكير إذا جاءت فى حيز النفي يعم الامرين كما فى قوله تعالى لا تطع منهم اثما او كفورا يعنى لا تطع اثما و لا كفورا فمعنى الاية لا ينفع الايمان نفسا لم تومن و لم تكسب فيه خيرا و

قال البغوي معنى الاية لا يقبل حينئذ ايمان كافر و لا توبة فاسق فالمراد بالايمان فى إيمانها التوبة بعموم المجاز فانه يشتمل التوبة عن الكفر و التوبة عن المعاصي قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ان اللّه عز و جل جعل بالمغرب بابا مسيرة عرضه سبعون عاما للتوبة لا يغلق ما لم يطلع الشمس من قبله و ذلك قوله تعالى يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن امنت من قبل رواه الترمذي و ابن ماجة من حديث صفوان بن عسال و روى مسلم من حديث ابى موسى الأشعري قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ان اللّه يبسط يده بالليل ليتوب مسئ النهار و يبسط يده بالنهار ليتوب مسئ الليل حتى تطلع الشمس من مغربها و روى مسلم من حديث ابى هريرة قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم من تاب قبل ان تطلع الشمس من مغربها تاب اللّه عليه و روى احمد و ابو داؤد و الدارمي عن معاوية قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم لا ينقطع الهجرة حتى ينقطع التوبة و لا ينقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها هذه الأحاديث تدل على ان المراد بالايمان فى قوله تعالى لا ينفع نفسا إيمانها التوبة و قد ورد الأحاديث بلفظ الايمان من غير لفظ التوبة منها ما روى البغوي بسنده عن ابى هريرة قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فاذا طلعت و راها الناس أمنوا أجمعون و حينئذ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن امنت من قبل او كسبت فى إيمانها خيرا و روى مسلم عن ابى هريرة قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ثلث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن امنت من قبل او كسبت فى إيمانها خير الدجال و الدابة و طلوع الشمس من مغربها و تاويل هذه الأحاديث لا يكون الا ان يقال معناه لا ينفع نفسا لم تكن امنت من قبل و كسبت فى إيمانها خيرا إيمانها اى تحصيل الايمان فى ذلك اليوم بعد ما لم يكن.

(فائدة) و لعل قوله تعالى لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن امنت من قبل او كسبت فى إيمانها خيرا تدل على ان من كان كافرا قبل ذلك لا يقبل إيمانه بعد ذلك و اما من ولد بعد ذلك او أدرك العقل و البلوغ بعد ذلك و أمن فالظاهر انه يقبل إيمانه قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ينزل عيسى بن مريم الى الأرض فيتزوج و يولد له و يمكث خمسا و أربعين سنة ثم يموت فيدفن معى فى قبرى فاقوم انا و عيسى بن مريم فى قبر واحد بين ابى بكر و عمر رواه ابن الجوزي فى كتاب الوفاء عن ابن عمر قُلِ انْتَظِرُوا يا اهل مكة إِنَّا مُنْتَظِرُونَ وعيد لهم يعنى حينئذ لنا الفوز و عليكم العذاب

﴿ ١٥٨